اليابان باعت على الأرجح سندات خزانة أميركية لتمويل تدخل قياسي في الين

تشير بيانات الاحتياطيات اليابانية إلى أن طوكيو موّلت جانبًا كبيرًا من تدخلها القياسي لدعم الين عبر بيع أوراق مالية أجنبية، ويرجح أن الجزء الأكبر منها كان سندات خزانة أميركية قصيرة الأجل. ورغم ضخامة المبيعات، لم يظهر حتى الآن ضغط واضح على العوائد الأميركية الطويلة، لكن تكرار التدخل قد يجعل طريقة تمويل اليابان لتحركاتها في سوق العملات قضية أكثر أهمية للأسواق العالمية.

بواسطة Ahmed Azzam | @3zzamous

Copied
Japan likely sold Treasuries to fund record yen intervention
  • تراجعت حيازات اليابان من الأوراق المالية الأجنبية بمقدار قياسي بلغ 87.8 مليار دولار في أغسطس.

  • أنفقت السلطات نحو 15.4 تريليون ين، أو 98.6 مليار دولار، لدعم الين حتى 26 أغسطس.

  • انخفض إجمالي احتياطيات اليابان من العملات الأجنبية بمقدار 94.6 مليار دولار إلى 995 مليار دولار بنهاية أغسطس.

  • يرجح أن المبيعات تركزت في سندات خزانة أميركية بآجال خمس سنوات أو أقل، ما قلل الضغط على العوائد الطويلة.

  • تستطيع اليابان نظريًا الحصول على ما يصل إلى 60 مليار دولار يوميًا عبر تسهيلات FIMA بدل بيع السندات مباشرة.

بيانات الاحتياطيات تشير بقوة إلى بيع سندات الخزانة

يبدو أن اليابان لجأت إلى بيع جزء من محفظتها الضخمة من سندات الخزانة الأميركية لتمويل أكبر حملة تدخل في سوق العملات بتاريخها.

فقد تراجعت قيمة الأوراق المالية الأجنبية الموجودة ضمن الاحتياطيات اليابانية بمقدار 87.8 مليار دولار خلال أغسطس، وهو أكبر انخفاض شهري مسجل على الإطلاق. ويقترب هذا الرقم بصورة لافتة من نحو 98.6 مليار دولار أنفقتها السلطات لشراء الين ودعمه خلال الشهر حتى 26 أغسطس.

Japan vs us bonds

المصدر: بلومبيرغ

وأقرت وزارة المالية بأن التدخل في سوق العملات كان أحد أسباب انخفاض الاحتياطيات، من دون أن تحدد بصورة رسمية أنواع الأوراق المالية التي جرى بيعها.

لكن تركيبة الاحتياطيات تجعل سندات الخزانة الأميركية الاحتمال الأكثر منطقية. فاليابان تدير واحدة من أكبر محافظ الاحتياطيات الأجنبية عالميًا، وتشير تقديرات السوق إلى أن ما يقارب 70% من هذه الأصول مستثمر في الدين الحكومي الأميركي.

ولهذا لا يدور السؤال الأساسي حول ما إذا كانت اليابان قد باعت سندات خزانة، بقدر ما يدور حول أي آجال باعتها، لأن هذا التفصيل يحدد مدى تأثير العملية في سوق السندات الأميركية.

السندات القصيرة كانت المصدر الأكثر منطقية للسيولة

تحتاج البنوك المركزية عند إدارة الاحتياطيات إلى أصول يمكن تحويلها إلى نقد بسرعة ومن دون إحداث اضطراب كبير في الأسواق. وهذا يجعل سندات الخزانة الأميركية القصيرة أول مرشح طبيعي للبيع عند الحاجة إلى مليارات الدولارات بصورة عاجلة.

وتشير تقديرات المشاركين في السوق إلى أن اليابان ركزت على الأوراق المالية التي تستحق خلال خمس سنوات أو أقل، بدل بيع كميات كبيرة من سندات العشر أو الثلاثين عامًا.

هذا الاختيار منطقي من زاويتين.

أولًا، الجزء القصير من سوق الخزانة يتمتع بسيولة عميقة، ما يسمح بتنفيذ مبيعات كبيرة بسهولة أكبر. وثانيًا، تجنب السندات الطويلة يقلل خطر رفع تكاليف الاقتراض الأميركي عند الآجال التي أصبحت أصلًا مصدر قلق لواشنطن.

فالولايات المتحدة تحاول في الوقت نفسه التعامل مع ارتفاع العوائد الطويلة عبر توسيع عمليات إعادة شراء الدين. ولو باعت اليابان عشرات المليارات من سندات العشر أو الثلاثين عامًا لتمويل تدخلها، لكانت أهداف السياسة اليابانية في سوق العملات اصطدمت مباشرة بمحاولات الخزانة الأميركية تهدئة الطرف الطويل من منحنى العائد.

ولهذا منح بيع السندات الأقصر اليابان السيولة التي تحتاجها من دون خلق ضغط مباشر كبير على العوائد الأميركية طويلة الأجل.

تدخل اليابان في الين بلغ مستوى غير مسبوق

أنفقت السلطات اليابانية نحو 15.4 تريليون ين، بما يعادل 98.6 مليار دولار، على دعم العملة خلال الشهر الممتد حتى 26 أغسطس، في أكبر تدخل شهري مسجل على الإطلاق.

وجاءت الحملة بعد تدهور حاد في الين دفع الدولار مقابل العملة اليابانية إلى مستويات قريبة من الأضعف في أربعة عقود.

كما شاركت الولايات المتحدة في الحملة في نهاية يوليو، عندما اشترت الين إلى جانب اليابان في 31 يوليو، في أول تدخل منسق بين البلدين منذ 1998.

وأرسلت هذه الخطوة رسالة واضحة بأن واشنطن وطوكيو تشتركان في الرغبة في منع تحركات غير منظمة في سعر الصرف.

لكن التدخل بهذا الحجم يخلق مشكلة تمويل مباشرة.

فعندما تريد اليابان شراء الين في السوق، تحتاج إلى توفير عملات أجنبية، وعلى رأسها الدولار. وبيع أصول موجودة ضمن احتياطياتها يمثل إحدى أسرع الطرق للحصول على هذه السيولة.

لهذا تبدو بيانات أغسطس دليلًا قويًا على أن بيع الأوراق المالية الأجنبية كان جزءًا رئيسيًا من تمويل العملية.

اليابان ما تزال تملك نحو تريليون دولار من الاحتياطيات

رغم ضخامة التدخل، ما تزال اليابان تملك قدرة مالية كبيرة إذا احتاجت إلى العودة إلى سوق العملات.

فقد انخفض إجمالي احتياطياتها من العملات الأجنبية بمقدار 94.6 مليار دولار إلى نحو 995 مليار دولار بنهاية أغسطس. كما تراجعت الودائع بالعملات الأجنبية، وهي مصدر آخر يمكن استخدامه في تمويل التدخل، بمقدار 6.9 مليارات دولار.

وهذا يعني أن المشكلة لا تتعلق حاليًا بنفاد قدرة طوكيو على التدخل.

التحدي الحقيقي هو كيفية تحويل هذه الاحتياطيات إلى سيولة من دون خلق ضغوط جانبية في أسواق عالمية أخرى.

فالبيع المتكرر لسندات الخزانة يصبح أكثر حساسية كلما ازدادت مخاوف الولايات المتحدة من ارتفاع عوائدها طويلة الأجل.

ومن هنا تبدأ العلاقة بين سياسة اليابان تجاه الين وبين سوق الدين الأميركية في اكتساب أهمية أكبر.

لماذا تهتم واشنطن بطريقة تمويل اليابان للتدخل؟

دعمت الولايات المتحدة جهود اليابان لوقف التراجع الحاد في الين، لكنها في الوقت نفسه تملك مصلحة واضحة في الحفاظ على استقرار سوق سندات الخزانة.

فوزير الخزانة سكوت بيسنت وسّع مؤخرًا عمليات إعادة شراء الدين الأميركي طويل الأجل، مع مضاعفة المشتريات لمدة شهرين حتى 4 نوفمبر، في محاولة لتحسين السيولة وتقليل الضغوط الموجودة في الطرف الطويل من المنحنى.

ولهذا يصبح أجل السندات التي تبيعها اليابان مسألة مهمة جدًا.

بيع أذون وسندات قصيرة الأجل يمكن للأسواق استيعابه بصورة أسهل نسبيًا، كما أن أثره المباشر على عوائد العشر والثلاثين عامًا يبقى محدودًا.

أما التخلص من كميات ضخمة من السندات الطويلة، فقد يدفع العوائد إلى الارتفاع في اللحظة نفسها التي تحاول فيها واشنطن احتواء تكاليف الاقتراض.

ولهذا تملك طوكيو حافزًا قويًا لتنظيم أي مبيعات مستقبلية بعناية، خصوصًا إذا اضطرت إلى تنفيذ جولات جديدة من التدخل.

تسهيلات FIMA تمنح اليابان خيارًا آخر

بيع سندات الخزانة ليس الوسيلة الوحيدة المتاحة لطوكيو للحصول على الدولار.

فبإمكان السلطات اليابانية نظريًا استخدام تسهيلات إعادة الشراء للسلطات النقدية الأجنبية والدولية FIMA التابعة للاحتياطي الفيدرالي.

وتسمح هذه الآلية للبنوك المركزية الأجنبية بتقديم سندات الخزانة الأميركية بصورة مؤقتة كضمان إلى الفيدرالي والحصول مقابلها على دولارات، بدل بيع الأوراق المالية في السوق.

وبالنسبة إلى اليابان، يمكن لهذه التسهيلات توفير ما يصل إلى 60 مليار دولار يوميًا من السيولة.

هذه الآلية جذابة لأنها تسمح لطوكيو بالحصول على الدولارات اللازمة لشراء الين من دون ممارسة ضغط مباشر على أسعار سندات الخزانة وعوائدها.

لكن هناك نقطة مهمة: اليابان لم تستخدم FIMA حتى الآن.

وقد يجعل غياب السوابق المسؤولين أكثر حذرًا في الاعتماد عليها خلال تحركات سريعة في سوق العملات. لذلك تبقى FIMA في الوقت الحالي أقرب إلى خيار احتياطي يمنح اليابان قدرة إضافية على التدخل، أكثر من كونها أداة باتت السلطات مستعدة لاستخدامها فورًا.

ومع ذلك، ستزداد أهمية هذا الخيار إذا عادت طوكيو إلى الدفاع عن الين في وقت تصبح فيه واشنطن أكثر حساسية تجاه بيع سندات الخزانة.

تعافي الين يقلل الحاجة الفورية إلى تدخل جديد

تحركت سوق العملات مؤخرًا لمصلحة اليابان.

فقد انخفض الدولار مقابل الين من نحو 160.39 يوم الأربعاء إلى 155.30 يوم الجمعة، قبل أن يتداول قرب 155.96 بعد ظهر الاثنين في طوكيو.

وهذا الارتفاع القوي للعملة اليابانية يقلل في الوقت الحالي احتمال الحاجة إلى جولة جديدة واسعة من التدخل.

USDJPY today 7-9-2026

المصدر: Tradingview

كما يمنح السلطات فرصة لمعرفة ما إذا كانت السياسة النقدية تستطيع تحمل جزء أكبر من مهمة دعم الين.

فالأسواق أصبحت تسعّر بالكامل تقريبًا رفع بنك اليابان للفائدة في سبتمبر، كما بدأ بعض المستثمرين في التفكير في احتمال أن يسرّع البنك وتيرة التشديد بعد ذلك.

وهنا تظهر أهمية السياسة النقدية مقارنة بالتدخل المباشر.

التدخل يستطيع كسر زخم حركة العملة مؤقتًا.

أما تقليص فارق أسعار الفائدة مع الولايات المتحدة، فيستطيع تغيير الحافز الأساسي الذي يدفع المستثمرين إلى بيع الين.

تشديد بنك اليابان قد يقلل الحاجة إلى استنزاف الاحتياطيات

تزايد قلق بنك اليابان من مخاطر التضخم الصعودية، سواء من خلال استمرار قوة أسعار الخدمات أو ارتفاع تكاليف الاستيراد أو تأثير ضعف العملة.

ورفع الفائدة في سبتمبر يمكن أن يساعد في التعامل مع هذه العوامل معًا.

فالعوائد اليابانية الأعلى تزيد جاذبية الأصول المقومة بالين، وتقلل بعض الحوافز التي تدفع إلى صفقات العائد الممولة بالعملة اليابانية، كما توفر دعمًا للعملة من دون الحاجة إلى استمرار وزارة المالية في إنفاق عشرات المليارات من الدولارات في السوق.

وتصبح هذه النقطة أكثر أهمية بعد استخدام نحو 100 مليار دولار في شهر واحد فقط.

اليابان ما تزال تملك احتياطيات كبيرة، لكن التدخل المتكرر ليس بديلًا فعالًا على المدى الطويل عن تعديل السياسة النقدية.

إذا نفذ بنك اليابان مسار رفع الفائدة الذي تتوقعه الأسواق، فقد يبدأ الضغط على الاحتياطيات في التراجع.

أما إذا خيب البنك توقعات المستثمرين وعاد الدولار مقابل الين باتجاه 160 أو أعلى، فقد تصبح مبيعات سندات الخزانة قضية رئيسية مرة أخرى.

هل تهدد مبيعات اليابان عوائد السندات الأميركية؟

حتى الآن، لا تشير الأدلة إلى أن تدخل اليابان خلق مشكلة كبيرة في سوق الدين الأميركية.

فالسيناريو الأكثر ترجيحًا هو أن طوكيو ركزت مبيعاتها على سندات الخزانة القصيرة، حيث السيولة أعمق والتأثير على العوائد الطويلة أقل.

وسمح هذا النهج لليابان بالدفاع عن عملتها من دون الدخول في مواجهة مباشرة مع محاولات الولايات المتحدة تخفيف الضغوط على تكاليف الاقتراض طويلة الأجل.

لكن السؤال يصبح أكثر حساسية إذا تحولت التدخلات من حدث استثنائي إلى ممارسة متكررة.

فاحتياطيات العملات الأجنبية اليابانية هبطت بالفعل إلى 995 مليار دولار، وتراجعت الأوراق المالية الأجنبية بمقدار قياسي بلغ 87.8 مليار دولار، بينما أنفقت السلطات قرابة 99 مليار دولار لدعم العملة خلال شهر واحد.

هذه الأرقام تؤكد أن اليابان تملك الموارد اللازمة للتدخل مرة أخرى.

لكن كلما تكرر التدخل، أصبح السؤال حول طريقة التمويل أكثر أهمية.

فإذا نجح تشديد بنك اليابان في تثبيت الين، فقد تبقى مبيعات أغسطس عملية ضخمة لكنها استثنائية.

أما إذا استأنفت العملة تراجعها، فستجد طوكيو نفسها أمام مجموعة خيارات أكثر حساسية: بيع المزيد من سندات الخزانة، سحب جزء أكبر من الودائع الأجنبية، أو اللجوء بصورة أوسع إلى تسهيلات FIMA.

وعندها قد تتحول قصة التدخل في الين من قضية تخص سوق العملات اليابانية إلى عامل مباشر في سوق السندات الأميركية نفسها.

Copied