بنك الاحتياطي الأسترالي يرفع الفائدة إلى 4.85%، لكن انقسام الأعضاء يشير إلى احتمال التوقف مؤقتًا

رفع بنك الاحتياطي الأسترالي سعر الفائدة النقدي بمقدار 25 نقطة أساس إلى 4.85%، وهو أعلى مستوى له منذ عام 2008. ورغم أن القرار جاء متوافقًا إلى حد كبير مع توقعات الأسواق، فإن نتيجة التصويت البالغة 6 مقابل 3 كشفت عن تزايد الخلاف داخل مجلس الإدارة بشأن مدى الحاجة إلى مواصلة تشديد السياسة النقدية، في وقت لا يزال فيه التضخم مرتفعًا، بينما بدأت الأسر وسوق الإسكان تظهران علامات متزايدة على الضغوط.

بواسطة يزيد أبو سماقة | @Yazeed Abu Summaqa

Copied
CL Articles_October2_Australia Economy_01
  • أيد ستة أعضاء رفع الفائدة، بينما فضّل ثلاثة الإبقاء عليها عند 4.60%.

  • بلغ التضخم العام 4.3% في سبتمبر، في حين ارتفع التضخم الأساسي المقاس بمتوسط الأسعار المقتطعة إلى 3.6%.

  • يتوقع بنك الاحتياطي الأسترالي بقاء التضخم فوق 3% حتى نهاية عام 2027.

  • تراجع الدولار الأسترالي عقب القرار، بعدما فسرت الأسواق انقسام التصويت على أنه يقلل احتمالات تنفيذ زيادة أخرى في الفائدة على المدى القريب.

بنك الاحتياطي الأسترالي يتحرك لمواجهة تداعيات صدمة النفط

لا تستطيع أسعار الفائدة المرتفعة زيادة إنتاج النفط أو عكس اضطرابات الإمدادات في الشرق الأوسط. كما أن زيادة أقساط الرهن العقاري لن تخفض أسعار الوقود العالمية. لكن ما يقلق بنك الاحتياطي الأسترالي هو ما يحدث بعد انتقال هذه التكاليف إلى الاقتصاد المحلي.

فالوقود يؤثر في تكاليف النقل والتوزيع والإنتاج. وإذا بدأت الشركات تمرير هذه الزيادات إلى نطاق أوسع من أسعار السلع والخدمات، فقد يطالب العاملون بزيادة الأجور لتعويض تراجع قدرتهم الشرائية. وعندها، يمكن لصدمة خارجية بدأت في قطاع الطاقة أن تتحول إلى تضخم محلي أكثر رسوخًا واستمرارًا.

مؤشرات على اتساع الضغوط التضخمية

لم تعد الضغوط التضخمية مقتصرة على الوقود، إذ تواصل الشركات الإبلاغ عن ارتفاع تكاليف العمالة والمواد والخدمات.

ويتوقع بنك الاحتياطي الأسترالي الآن أن يبقى كل من التضخم العام والتضخم الأساسي فوق 3% حتى نهاية عام 2027، وألا يعود التضخم إلى منتصف النطاق المستهدف إلا في حدود منتصف عام 2028.

ومن هذا المنطلق، يمكن فهم رفع الفائدة إلى 4.85% باعتباره محاولة لمنع صدمة النفط من تغيير سلوك التسعير داخل الاقتصاد المحلي وترسيخ الضغوط التضخمية.

فالبنك لا يستطيع التحكم في مصدر الصدمة، لكنه يستطيع إضعاف الطلب المحلي والحد من قدرة الشركات على تمرير التكاليف المرتفعة إلى المستهلكين.

استثمارات الذكاء الاصطناعي تخلق اقتصادًا متفاوت الأداء

يزداد القرار تعقيدًا لأن الاقتصاد الأسترالي لا يمر بمرحلة تباطؤ بالوتيرة نفسها في جميع قطاعاته. فقد تباطأ إنفاق الأسر، وتراجعت أسعار المنازل، وارتفع معدل البطالة إلى 4.7%.

في المقابل، لا يزال الائتمان الممنوح للشركات قويًا، فيما تتوسع الاستثمارات المرتبطة بمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي بوتيرة سريعة. وقد رفع بنك الاحتياطي الأسترالي توقعاته للنمو على المدى القريب، ويعود ذلك بدرجة كبيرة إلى خطط الاستثمار هذه.

Australia Unemployment Rate rise to 4.7

المصدر: مكتب الإحصاءات الأسترالي

اقتصادان يتحركان في اتجاهين مختلفين

تقلص الأسر التي تتحمل قروضًا عقارية إنفاقها التقديري مع ارتفاع الأقساط وتراجع قيمة العقارات. وفي المقابل، لا تزال الشركات الكبرى المستثمرة في مراكز البيانات والبنية التحتية للطاقة والتكنولوجيا تتنافس على القدرات الإنشائية، ومعدات الكهرباء، والعمالة الماهرة، وأشباه الموصلات المستوردة.

ورغم أن بنك الاحتياطي الأسترالي يقدّر أن نحو 70% من الاستثمارات في مراكز البيانات ستعتمد على الواردات، فإن الجزء المحلي من هذه الاستثمارات لا يزال يتطلب عمالة وأراضي ومواد بناء وبنية تحتية للكهرباء داخل أستراليا، ما يضيف إلى الطلب في اقتصاد تعاني بعض موارده بالفعل من قيود في المعروض.

وقد تسهم هذه الاستثمارات في رفع الإنتاجية على المدى الطويل، لكن أثرها الفوري قد يكون تضخميًا إذا نما الطلب بوتيرة أسرع من قدرة الاقتصاد على توفير تلك الموارد.

وبالتالي، يجد البنك نفسه مضطرًا إلى تشديد السياسة النقدية رغم تباطؤ إنفاق الأسر، لأن ضعف الاستهلاك لم يؤدِ حتى الآن إلى توفير طاقات إنتاجية فائضة كافية في بقية قطاعات الاقتصاد.

انقسام التصويت يعكس التحذيرات من تكلفة مواصلة التشديد

أعطى الأعضاء الثلاثة الذين صوتوا لصالح تثبيت الفائدة وزنًا أكبر لارتفاع البطالة وسوء أوضاع سوق الإسكان. ولم يكن موقفهم قائمًا على الاعتقاد بأن التضخم عاد إلى مستهدف البنك، بل على احتمال أن تكون الزيادات السابقة في الفائدة لا تزال تنتقل آثارها إلى الاقتصاد.

فقد انخفضت القيمة الوطنية للمنازل بنسبة 1.2% في أكتوبر، لتصبح الآن أقل بنسبة 6.7% من ذروتها المسجلة في مارس. كما تراجعت أسعار العقارات في عواصم الولايات بنسبة 8.1% خلال سبعة أشهر، ما يضع السوق بالقرب من تجاوز أكبر انخفاض سُجل خلال العقود الأربعة الماضية.

Australia Cotality Dwelling Prices MoM

المصدر: كوتاليتي – أستراليا

سوق الإسكان جزء من آلية انتقال السياسة النقدية

يؤدي انخفاض أسعار العقارات إلى تراجع ثروة الأسر، بينما تحد أسعار الفائدة المرتفعة من قدرتها على الاقتراض. كما يضعف تراجع النشاط العقاري الطلب على البناء والخدمات المهنية المرتبطة بسوق الإسكان.

ويتمثل الخطر في أن يواصل البنك تشديد السياسة النقدية بعد أن تكون هذه العوامل قد أصبحت مؤثرة بما يكفي لخفض التضخم.

لماذا تكتسب نتيجة التصويت أهمية بالنسبة لاجتماع ديسمبر؟

كان من الممكن أن يشير القرار بالإجماع إلى وجود دعم واسع داخل مجلس الإدارة لمواصلة التشديد النقدي. لكن نتيجة التصويت البالغة 6 مقابل 3 تضع المجلس على مسافة أقرب من الوصول إلى أغلبية تؤيد تثبيت الفائدة، إذ لا يحتاج الأمر سوى إلى تغيير موقف عضوين.

كما أشارت محافظة البنك، ميشيل بولوك، إلى أن اتجاه الخطوة التالية لا يزال غير واضح. واستجابت الأسواق لهذه التصريحات بدفع الدولار الأسترالي إلى التراجع، رغم رفع الفائدة، مع زيادة التوقعات بأن يتوقف البنك مؤقتًا عن التشديد في ديسمبر. وهكذا، تفاعلت العملة مع المسار المحتمل للسياسة النقدية في الفترة المقبلة، وليس مع القرار الذي أُعلن بالفعل.

قروض الرهن العقاري ستحدد سرعة تراجع الطلب

إذا مررت البنوك التجارية الزيادة الأخيرة بالكامل إلى المقترضين، فقد يرتفع متوسط سعر الفائدة على قروض الرهن العقاري المتغيرة للمنازل التي يشغلها أصحابها إلى نحو 6.74%. وقد يؤدي ذلك إلى اختفاء القروض العقارية ذات أسعار الفائدة المتغيرة الأقل من 6% من السوق.

هنا تلتقي ضغوط التضخم مع تراجع سوق الإسكان

تترك أقساط الرهن العقاري المرتفعة للأسر دخلًا أقل للإنفاق على السلع والخدمات الأخرى، في حين تجعلها أسعار العقارات المتراجعة أقل استعدادًا للاقتراض مقابل ثروتها العقارية.

ويحتاج بنك الاحتياطي الأسترالي إلى هذا التراجع في الطلب للحد من قدرة الشركات على رفع الأسعار. لكنه لا يعرف حتى الآن مقدار الضغوط الإضافية التي تستطيع الأسر تحملها قبل أن يتعرض الاستهلاك والتوظيف لمزيد من الضعف.

انقسام التصويت يعكس حالة عدم اليقين

رأى ستة أعضاء أن خطر ترسخ التضخم لا يزال أكبر من المخاطر الأخرى، بينما اعتبر ثلاثة أعضاء أن الآثار المتأخرة للتشديد النقدي السابق تستحق مزيدًا من الوقت حتى تظهر بصورة أوضح.

ما الذي قد يبرر رفع الفائدة مجددًا؟

سيتطلب تنفيذ زيادة أخرى في أسعار الفائدة ظهور أدلة على استمرار اتساع الضغوط التضخمية الأساسية، حتى مع تراجع سوق الإسكان والاستهلاك. فاستمرار قوة أسعار الخدمات والأجور، أو ارتفاع التكاليف المرتبطة بمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، قد يشير إلى أن القيود على الطاقة الإنتاجية المحلية لا تزال أشد مما يوحي به تباطؤ الاقتصاد.

في المقابل، تزداد احتمالات التوقف المؤقت إذا ارتفعت البطالة، أو تراجع إنفاق الأسر، أو تسارع هبوط سوق الإسكان. كما أن الانخفاض المستمر في أسعار النفط من شأنه إزالة جزء من الضغوط التضخمية التي دفعت البنك إلى تعديل توقعاته.

رفع بنك الاحتياطي الأسترالي أسعار الفائدة بهدف منع تحول صدمة الطاقة الخارجية إلى دورة تضخم محلية مستمرة.

لكن انقسام مجلس الإدارة يشير إلى أن صانعي السياسة النقدية قد يقتربون من نقطة يصبح عندها المزيد من التشديد مصدرًا لخطر مختلف، يتمثل في محاولة احتواء تضخم الغد على حساب تعميق تراجع سوق الإسكان والضغوط على الأسر بدرجة قد لا يستطيع الاقتصاد تحملها.

RBA rate probability for december

المصدر: Rate probability

Copied