البنك المركزي الأوروبي يشتري الوقت مع عودة الإقراض وبقاء التضخم مصدر قلق

وصل البنك المركزي الأوروبي إلى مرحلة يصعب فيها اتخاذ قرارات مريحة. فبينما يواصل الاقتصاد فقدان زخمه في بعض أنحاء منطقة اليورو، لا يزال التضخم يتباطأ بوتيرة أبطأ مما يسمح لصناع السياسة بالتفكير في تخفيف القيود النقدية. ولهذا تبدو الأسواق اليوم أكثر اقتناعاً من رسائل البنك نفسه، بعدما رفعت رهاناتها على احتمال رفع الفائدة في سبتمبر إلى نحو 98%.

بواسطة يزيد أبو سماقة | @Yazeed Abu Summaqa

Copied
ECB_0603
  • ارتفع الإقراض للشركات في منطقة اليورو إلى 4.4% في يوليو مقابل 4.0% في يونيو.

  • الأسواق تسعّر احتمالاً يقارب 98% لرفع الفائدة في سبتمبر.

  • محضر الاجتماع الأخير أظهر إجماعاً على تثبيت الفائدة في يوليو، مع استمرار ميل عدد من الأعضاء إلى مزيد من التشديد.

  • لا تزال مخاطر التضخم مرتبطة بالطاقة وسلاسل الإمداد والتوترات الجيوسياسية.

الإقراض لا يزال يتوسع رغم ارتفاع الفائدة

كان رقم واحد كافياً لتغيير مسار النقاش داخل الأسواق. فبدلاً من أن يتباطأ الإقراض بعد رفع الفائدة في يونيو، عاد التمويل الموجه للشركات إلى التسارع، مسجلاً نمواً بلغ 4.4% في يوليو. وهذه الإشارة تعني أن الشركات الأوروبية ما زالت مستعدة للاقتراض رغم ارتفاع تكاليف التمويل بصورة واضحة.

في الظروف الطبيعية، تبدأ السياسة النقدية المشددة بالظهور عبر تراجع الطلب على الائتمان. لكن استمرار الشركات في تمويل مشاريع التصنيع، والاستثمار في سلاسل الإمداد، ومشروعات الطاقة، يجعل من الصعب القول إن أسعار الفائدة الحالية نجحت بالفعل في تهدئة الاقتصاد بالقدر الذي يريده البنك المركزي الأوروبي. وهذا يضعف حجة التريث.

Coroprate europe funds

المصدر: البنك المركزي الأوروبي

محضر يوليو كشف ثقة أكبر مما أوحت به الرسائل الرسمية

من الخارج، بدا اجتماع يوليو هادئاً ومتفقاً عليه. لكن داخل قاعة الاجتماع، كانت النبرة أكثر تشدداً.

فجميع أعضاء مجلس المحافظين وافقوا على تثبيت الفائدة، إلا أن المحضر كشف أن عدداً من صناع القرار كان يرى بالفعل أن جولة إضافية من التشديد أصبحت خياراً مريحاً. ولم يعد النقاش يدور حول ما إذا كان التضخم مرتفعاً، بل حول ما إذا كان الانتظار حتى الاجتماع التالي سيغير الصورة الاقتصادية بصورة جوهرية.

وكانت المخاطر التي تكررت في المناقشات واضحة: أسعار الطاقة، واضطرابات سلاسل الإمداد، والتوترات في الشرق الأوسط، والحرب في أوكرانيا. لكن المجلس تجنب ربط هذه المخاطر مباشرة بقرار سبتمبر. الأسواق قامت بذلك نيابة عنه.

شنابل وتشيبولوني يقرآن المخاطر من زاويتين مختلفتين

أصبح الانقسام داخل مجلس المحافظين أكثر وضوحاً من خلال موقفي إيزابيل شنابل وبييرو تشيبولوني. ترى شنابل اقتصاداً يصمد بصورة أفضل من المتوقع، وتعتقد أن النشاط الاقتصادي الأكثر مرونة، إلى جانب مخاطر الإمدادات الجديدة، يجعل من الصعب افتراض أن التضخم سيعود تلقائياً إلى الهدف من دون مزيد من التشديد.

أما تشيبولوني، فينظر إلى الخطر المعاكس

فقلقه يتمثل في أن استمرار رفع الفائدة قد يبدأ بإضعاف الإنتاجية والاستثمار قبل أن تنتهي معركة التضخم بالكامل. لكن الطرفين لا يختلفان حول الوجهة النهائية. الخلاف الحقيقي يدور حول مقدار الضغط الذي لا يزال الاقتصاد الأوروبي قادراً على تحمله.

وتفسر توقعات البنك المركزي الأوروبي سبب استمرار هذا الجدل، إذ تشير تقديراته إلى أن متوسط التضخم الرئيسي سيبلغ نحو 3.0% هذا العام، قبل أن يتراجع إلى 2.3% في عام 2027، ثم يصل إلى هدف 2% في عام 2028.

إنه تقدم واضح. لكنه ليس سريعاً بما يكفي ليمنح صناع السياسة شعوراً بالارتياح اليوم. ولهذا، فإن كل تقرير قوي عن الإقراض أو كل رقم نمو يفوق التوقعات يجعل الدفاع عن رفع جديد للفائدة أسهل من السابق.

EUro Inflation

المصدر: Eurostat

سوق السندات يزيد مهمة فرانكفورت تعقيداً

لم يعد الضغط يأتي من التضخم وحده. فسوق السندات الأوروبية أصبح جزءاً من معادلة التشديد النقدي.

فقد ارتفع عائد السندات البريطانية لأجل عشر سنوات فوق 5%، وهو أعلى مستوى منذ عام 2008. وفي ألمانيا، لامست عوائد السندات الحكومية أعلى مستوياتها في خمسة عشر عاماً، بينما ارتفعت تكاليف الاقتراض الفرنسية إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2009، مع تزايد قلق المستثمرين من اتساع العجوزات المالية وعدم اليقين السياسي.

وهذا يغير البيئة التي يعمل فيها البنك المركزي الأوروبي

فبينما يحاول البنك تشديد الأوضاع المالية عبر أسعار الفائدة الرسمية، أصبحت الأسواق نفسها تطالب بعوائد أعلى مقابل إقراض الحكومات. وخلافاً لسنوات التيسير الكمي، لم تعد الديون السيادية تُعامل كأصول تستحق عوائد منخفضة بصورة تلقائية. وهذا يعني أن تكاليف الاقتراض في أوروبا تتشدد بالفعل، حتى قبل أن يصدر قرار سبتمبر.

Europe 10 years Bond Yield

المصدر: MacroMicro

سبتمبر يبدو محسوم التسعير، لكن السؤال أصبح ما بعده

عندما تمنح الأسواق احتمالاً يقترب من 98% لرفع الفائدة، فإن اجتماع سبتمبر نفسه يتوقف عن كونه مصدر الغموض الأكبر. السؤال الحقيقي أصبح ما إذا كانت هذه الخطوة ستكون الأخيرة في دورة التشديد، أم مجرد محطة إضافية في معركة أطول مع التضخم.

والإجابة لن تحدد فقط مسار السياسة النقدية

بل ستنعكس أيضاً على اليورو، وتكاليف تمويل الشركات، وثقة المستثمرين في الأسواق الأوروبية بأكملها. وفي النهاية، يبقى الاختبار الأهم أمام البنك المركزي الأوروبي هو ما إذا كان قادراً على إقناع الأسواق بأن التضخم يسير فعلاً نحو نهايته، أم أن دورة التشديد الحالية لا تزال تحمل فصلاً جديداً لم يُكتب بعد.

probabilities for ECB interest rate decisions

المصدر: ECB Watch

Copied