لماذا تسير الخزانة الأمريكية والاحتياطي الفيدرالي في اتجاهين مختلفين؟

تريد وزارة الخزانة الأمريكية خفض تكاليف الاقتراض طويلة الأجل، بينما أصبح الاحتياطي الفيدرالي أكثر تقبلاً لفكرة أن ارتفاع عوائد السندات يؤدي جزءاً من مهمة التشديد النقدي بدلاً منه. ومع استمرار احتياجات الولايات المتحدة التمويلية في الارتفاع، بات الفصل بين هذين الهدفين أكثر صعوبة.

بواسطة يزيد أبو سماقة | @Yazeed Abu Summaqa

Copied
Interest Rate_0303
  • ستضاعف وزارة الخزانة عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل اعتباراً من 9 سبتمبر.

  • تتوقع الحكومة اقتراض أكثر من 10 مليارات دولار في كل يوم عمل خلال النصف الثاني من العام.

  • خفضت الصين واليابان حصتهما في سوق سندات الخزانة الأمريكية تدريجياً خلال العقد الماضي.

  • ينظر كيفن وورش وسكوت بيسنت إلى ارتفاع عوائد السندات من زاويتين مختلفتين.

قاعدة المشترين تغيرت

أحد أكبر التحولات حدث قبل وقت طويل من بدء الحديث عن إعادة شراء السندات. فقد خفضت الصين حيازاتها من سندات الخزانة الأمريكية بنحو 400 مليار دولار منذ عام 2011، بينما تراجعت حصة اليابان في السوق من نحو 10% إلى قرابة 4%.

ولم يختفِ البلدان من السوق، لكن الافتراض القديم بأن البنوك المركزية الأجنبية ستواصل امتصاص الدين الأمريكي المتزايد أصبح أصعب بكثير في الدفاع عنه.

وتزداد أهمية ذلك لأن احتياجات الحكومة للتمويل تسير في الاتجاه المعاكس

فواشنطن تتوقع الآن جمع أكثر من 10 مليارات دولار من صافي الاقتراض في كل يوم عمل حتى ديسمبر. وبهذه الوتيرة، لا تطلب وزارة الخزانة من المستثمرين استيعاب موجة دين جديدة على فترات متباعدة، بل بشكل شبه يومي ومستمر. ولذلك لم يعد السؤال في السوق هو ما إذا كان الدين سيزداد، بل من سيواصل شراءه.

US Treasury holdings

المصدر: Treasury Department

بيسنت يحاول جعل الاقتراض أكثر سلاسة

اعتباراً من 9 سبتمبر، تخطط وزارة الخزانة لمضاعفة عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل على الأقل، لترتفع عملياتها في شريحة السندات بين 10 و30 عاماً من ملياري دولار إلى أربعة مليارات دولار على الأقل في كل عملية.

لكن الهدف كثيراً ما يُساء فهمه

فالخزانة لا تحاول محو مشكلة الدين، بل تسعى إلى تحسين كفاءة عمل السوق في وقت يستمر فيه الدين بالنمو. ومن خلال إعادة شراء السندات القديمة الأقل تداولاً، تأمل السلطات في تحسين السيولة، وتقليل الاحتكاكات داخل السوق، وتسهيل استيعاب المستثمرين للموجة المستمرة من الإصدارات الجديدة لاحقاً. بمعنى آخر، هي تحاول جعل السوق أكثر كفاءة، وليس بالضرورة أقل تكلفة.

وكان رد الفعل الأول

فقد تراجعت العوائد لفترة وجيزة بعد الإعلان، قبل أن تعود للارتفاع، في إشارة إلى أن المستثمرين رحبوا بتحسين آليات السوق، لكنهم ما زالوا يطالبون بعائد أعلى مقابل إقراض الحكومة الأمريكية على المدى الطويل.

وورش يرى السوق بطريقة مختلفة

الانقسام الأكثر إثارة للاهتمام يحدث داخل واشنطن نفسها. فبينما ينظر سكوت بيسنت إلى ارتفاع عوائد السندات باعتباره مشكلة تمويلية، لأن كل ارتفاع يزيد تكلفة اقتراض الحكومة ويجعل إعادة تمويل دين يتجاوز 40 تريليون دولار أكثر تكلفة، يرى كيفن وورش المشهد من زاوية مختلفة تماماً.

فبالنسبة له، تؤدي العوائد المرتفعة طويلة الأجل جزءاً من عمل الاحتياطي الفيدرالي بالفعل. فهي تشدد الأوضاع المالية من خلال رفع تكاليف الرهن العقاري، واقتراض الشركات، والائتمان الاستهلاكي، من دون الحاجة إلى رفع إضافي في سعر الفائدة الأساسي. ومن هذا المنظور، تصبح سوق السندات قناة أخرى تساعد على تهدئة التضخم.

وهنا يظهر الانقسام

فطرف يحاول جعل الاقتراض أسهل، بينما لا يمانع الطرف الآخر أن تواصل أسعار السوق المرتفعة القيام بجزء من عملية التشديد. ولا يعني ذلك أن الطرفين يتناقضان بالضرورة، بل إن كل منهما يحاول معالجة مشكلة مختلفة.

إعادة الشراء لا تستطيع حل السؤال الأكبر

ولهذا السبب ينظر المستثمرون إلى ما هو أبعد من برنامج إعادة الشراء في سبتمبر. فالعوائد طويلة الأجل لا تزال تستجيب لقوى أكبر بكثير، تشمل استمرار مخاطر التضخم، وزيادة إصدارات الخزانة، وتراجع المشاركة الأجنبية، وتصاعد التساؤلات حول المسار المالي للولايات المتحدة.

فإعادة الشراء قد تجعل السوق أكثر سلاسة في التداول

لكنها لا تستطيع صناعة الطلب. وهذا الفرق بالغ الأهمية، لأن جدول اقتراض الحكومة أصبح مستمراً لا موسمياً. فكل مزاد ناجح يعزز الثقة بأن المشترين ما زالوا مستعدين لتمويل واشنطن، بينما يثير كل مزاد ضعيف تساؤلات جديدة حول حجم العائد الذي سيطالب به المستثمرون في المرة التالية.

ولهذا لم تعد القصة الكبرى تدور حول نجاح عملية إعادة شراء واحدة، بل حول قدرة واشنطن على مواصلة العثور على عدد كافٍ من المشترين، في وقت لم يعد فيه الطلب الأجنبي التقليدي مضموناً كما كان، وأصبحت فيه العوائد المرتفعة تمثل الحل والمشكلة في آن واحد.

السوق لا يزال يدفع العوائد إلى الأعلى

وتزداد هذه المفارقة أهمية لأن المستثمرين لم يتراجعوا بعد عن رهاناتهم على استمرار التشديد النقدي. فلا تزال الأسواق تسعر احتمالاً يقارب 60% لأن ينفذ الاحتياطي الفيدرالي رفعاً آخر للفائدة في سبتمبر، وهو ما يبقي الضغط قائماً على عوائد سندات الخزانة حتى قبل موعد الاجتماع. وإذا واصلت بيانات التضخم وسوق العمل دعم هذا السيناريو، فمن المرجح أن يواصل المستثمرون المطالبة بعوائد أعلى للاحتفاظ بالسندات الحكومية طويلة الأجل.

وهذا يضع واشنطن أمام واقع غير مريح

ففي الوقت الذي تحاول فيه وزارة الخزانة جعل الاقتراض أكثر سلاسة عبر إعادة شراء السندات، يواصل السوق جعل ذلك الاقتراض أكثر تكلفة من خلال تسعير فترة أطول من السياسة النقدية المقيدة.

Fed Watch CME Group

المصدر: CME Group

Copied