بيانات الأمس رفعت رهانات جاكسون هول

لم يعد خطاب كيفن وورش في جاكسون هول مجرد محطة أخرى في جدول أعمال الاحتياطي الفيدرالي، بل أصبح الاختبار الحقيقي لكيفية تواصل البنك المركزي مع الأسواق في مرحلة فقدت فيها التوجيهات المستقبلية دورها التقليدي. فالمستثمرون يدركون بالفعل أن الاقتصاد الأميركي يتباطأ، كما يدركون أن التضخم لم يتراجع بما يكفي لإعلان انتهاء المعركة. أما ما لا يزال غامضاً فهو الكيفية التي سيوازن بها الفيدرالي بين هاتين الحقيقتين.

بواسطة يزيد أبو سماقة | @Yazeed Abu Summaqa

Copied
US Inflation_3
  • تباطأ نمو الاقتصاد الأميركي إلى 1.5% في الربع الثاني مقابل 2.1% في الربع السابق.

  • لا يزال التضخم الأساسي لنفقات الاستهلاك الشخصي مستقراً عند مستويات أعلى بكثير من هدف الفيدرالي.

  • ارتفع إنفاق المستهلكين في يوليو بنسبة 0.2% فقط، وهو أضعف أداء شهري في سبعة أشهر.

  • تراجعت رهانات الأسواق على رفع الفائدة في سبتمبر إلى نحو 36%.

الاقتصاد يتباطأ، لكنه لم ينكسر بعد

على الورق، لا يزال الاقتصاد الأميركي يحقق نمواً. فقد سجل الناتج المحلي الإجمالي نمواً سنوياً عند 1.5% في الربع الثاني، وهو مستوى لا يشير إلى ركود، لكنه يمثل تراجعاً واضحاً مقارنة بالربع الأول.

وجاء هذا التباطؤ مع مساهمة أقل من الإنفاق الحكومي، واتساع العجز التجاري، وبدء تراجع بعض الزخم الذي دعم النشاط الاقتصادي في بداية العام.

لكن الصورة تصبح أكثر إثارة عند النظر إلى التفاصيل

فإنفاق المستهلكين ظل متماسكاً خلال الربع الثاني، مسجلاً نمواً بين 3.2% و3.4%. وقبل أشهر قليلة، كانت هذه الأرقام ستُفسَّر على أنها دليل على استمرار الأسر الأميركية في قيادة النمو الاقتصادي.

US GDP

المصدر: مكتب التحليل الاقتصادي الأميركي

يوليو يروي قصة مختلفة

أرقام يوليو حملت رسالة أكثر هدوءاً. فقد ارتفع الإنفاق الشخصي بنسبة 0.2% فقط، وهو أبطأ نمو شهري في سبعة أشهر.

لا يعني ذلك أن المستهلكين توقفوا عن الإنفاق، لكنه يشير إلى أنهم أصبحوا أكثر انتقائية بعد فترة أطول من المتوقع من تكاليف الاقتراض المرتفعة.

وهذه الإشارة ليست هامشية، لأن إنفاق الأسر لا يزال يمثل المحرك الأكبر للاقتصاد الأميركي. وعندما يبدأ هذا المحرك بفقدان زخمه، يصعب على الأسواق تجاهل الأمر.

التضخم لا يمنح الفيدرالي ما يريده

في المقابل، لم يختفِ الجزء الأصعب من معادلة الفيدرالي. فالتضخم الأساسي لنفقات الاستهلاك الشخصي لا يزال يدور قرب 3.3%، وهو أقل كثيراً من ذروة موجة التضخم السابقة، لكنه يبقى بعيداً عن هدف البنك المركزي البالغ 2%.

وهذا ما يفسر استمرار الانقسام داخل الفيدرالي

فلو كان التضخم يتراجع بوتيرة أسرع، لكان تباطؤ النمو الأخير كافياً لتبرير مزيد من الصبر. لكن صناع السياسة يواجهون اقتصاداً يبرد تدريجياً من دون أن يمنحهم الانتصار الواضح الذي كانوا ينتظرونه على جبهة الأسعار.

ويزيد النفط من تعقيد المشهد

فأسعار الخام عادت لتقترب من منتصف الثمانينيات مع عودة المخاطر الجيوسياسية في الشرق الأوسط إلى الواجهة. ورغم أن الطاقة لا تحدد السياسة النقدية بمفردها، فإن استمرار الضغوط في هذا القطاع قد يبطئ مسار تراجع التضخم ويدفع المسؤولين إلى مزيد من الحذر.

US Core PCE

المصدر: مكتب التحليل الاقتصادي الأميركي

الأسواق أصبحت أقل اقتناعاً برفع جديد للفائدة

تراجعت احتمالات رفع الفائدة مرة أخرى من نحو 40% إلى حوالي 36%، مع موازنة المستثمرين بين تباطؤ النمو واستمرار الضغوط التضخمية.

ويكشف هذا التحول عن نقطة مهمة. فالأسواق بدأت تميل إلى الاعتقاد بأن الأوضاع المالية المشددة تؤدي بالفعل جزءاً من المهمة التي كان الفيدرالي سيحققها عبر رفع إضافي للفائدة.

فعوائد سندات الخزانة طويلة الأجل لا تزال مرتفعة، وتكاليف الاقتراض ما زالت مقيدة، بينما تستمر شروط الائتمان الأكثر تشدداً في الضغط على قطاعات مختلفة من الاقتصاد. بعبارة أخرى، أصبح سوق السندات نفسه جزءاً من سياسة التشديد النقدي.

FED Watch CME Group

المصدر: CME Group

لماذا أصبح جاكسون هول أهم من قرار الفائدة نفسه؟

هنا تحديداً يكتسب خطاب كيفن وورش أهمية مختلفة. فورش يدافع منذ فترة عن نهج يقلل اعتماد الفيدرالي على التوجيهات المستقبلية، ويركز بدلاً من ذلك على شرح الطريقة التي يفسر بها المسؤولون البيانات الاقتصادية الواردة.

من الناحية النظرية، يمنح هذا النهج البنك المركزي مرونة أكبر، لأنه يخفف من توقعات الأسواق بالحصول على وعد مسبق بشأن الاجتماع التالي.

لكن اجتماع يوليو كشف الوجه الآخر لهذه المقاربة

فالفيدرالي أبقى الفائدة دون تغيير، بينما واصل عدد من المسؤولين تفضيل رفع إضافي. خرجت الأسواق وهي تفهم القرار، لكنها لم تفهم الإطار الذي استند إليه. وهنا تكمن المهمة الأصعب أمام وورش. فالمستثمرون لا ينتظرون منه تلميحاً مباشراً بشأن سبتمبر، بقدر ما يريدون تفسيراً لكيفية تفاعل التضخم، وسوق العمل، والأوضاع المالية، والنمو داخل عملية صنع القرار في الاحتياطي الفيدرالي. إذا نجح في تقديم هذا الإطار من دون الالتزام بمسار محدد، فقد يتحول جاكسون هول إلى نقطة تعزز الثقة في استراتيجية تواصل بدت مهزوزة قبل أسابيع قليلة.

الخطاب قد يعيد تشكيل أكثر من توقعات الفائدة

رهانات هذا الخطاب تمتد إلى ما هو أبعد من سوق السندات. فعوائد الخزانة، والدولار، والأسهم، والذهب، تتحرك جميعها حول السؤال نفسه: إلى أي مدى يرى الفيدرالي أن السياسة النقدية أصبحت مقيدة؟

إذا نجح وورش في إقناع المستثمرين بأن ارتفاع العوائد الحالية يشدد الأوضاع المالية بما يكفي لتبرير التريث، فقد تصبح الأسواق أكثر تقبلاً لفكرة أن رفعاً فورياً جديداً للفائدة لم يعد ضرورياً.

أما إذا بقيت رسالته غامضة، فقد تصبح حالة عدم اليقين نفسها هي الخطر الأكبر

حينها لن يكون السؤال ما إذا كان الفيدرالي سيرفع الفائدة في اجتماعه المقبل، بل ما هي الأدلة التي يحتاجها قبل اتخاذ خطوته التالية. ولهذا لم يعد خطاب جاكسون هول مجرد موعد آخر على التقويم.

فالاقتصاد أوضح للأسواق أن النمو يتباطأ، والتضخم أوضح للفيدرالي أن المهمة لم تكتمل بعد، أما وورش فيواجه التحدي الأصعب: إقناع المستثمرين بأن تقليل التوجيهات المستقبلية لا يعني تقليل وضوح السياسة النقدية.

Copied