كيف يمكن لآندي بورنهام أن يفاجئ الأسواق البريطانية هذا الخريف؟
لم يؤد وصول آندي بورنهام إلى رئاسة الحكومة البريطانية إلى رد فعل قوي في الأسواق حتى الآن، لكن هذا الهدوء قد لا يستمر. فالقواعد المالية الصارمة والتعهد بعدم رفع الضرائب الرئيسية يرجحان موازنة خريفية محدودة، فيما تبقى التحركات الأكبر في الاستثمار العام، والإصلاح الضريبي، والاقتراض، أو الدعوة إلى انتخابات مبكرة، مصادر محتملة لمفاجأة سوق السندات الإسترلينية والجنيه الإسترليني.

من المتوقع تراجع إصدارات السندات البريطانية إلى 246 مليار جنيه إسترليني من 304 مليارات العام الماضي.
التعديلات المالية قد توفر نحو 16 مليار جنيه إسترليني من المساحة الإضافية للاقتراض.
إلغاء التخفيضات المقررة على موازنات الوزارات قد يكلف نحو 6 مليارات جنيه في 2029.
أسواق المراهنات تضع احتمال إجراء انتخابات مبكرة عند نحو 15% إلى 20%.
وصول بورنهام لم يربك الأسواق
جاء رد فعل الأسواق على دخول آندي بورنهام إلى مقر رئاسة الحكومة أكثر هدوءًا بكثير من رد فعلها على صعوده إلى قيادة حزب العمال قبل أشهر قليلة.
فهوامش المخاطر على السندات الحكومية البريطانية ما تزال تحت السيطرة، ويبدو أن المستثمرين يتوقعون من رئيس الوزراء الجديد تجنب أي اضطراب مالي كبير خلال هذا العام. وتقوم النظرة السائدة على أن طموحات بورنهام السياسية ستظل مقيدة بتعهدين أساسيين: الالتزام بالقواعد المالية، وتجنب الزيادات الكبيرة في الضرائب الرئيسية.
ويشير هذا المزيج إلى موازنة خريفية متواضعة نسبيًا، تركز على سياسات واضحة للناخبين، منخفضة الكلفة، وسهلة التنفيذ.
وقد تشمل الإجراءات المحتملة خفض أسعار تذاكر الحافلات، وتقديم إعفاءات ضريبية لقطاع الضيافة، ونقل بعض تكاليف السياسات العامة من فواتير الكهرباء إلى الموازنة الحكومية. وقد تكلف الخطوة الأخيرة بضعة مليارات من الجنيهات، لكنها قد تساعد أيضًا في خفض التضخم الرئيسي إذا تزامنت مع تراجع سقف أسعار الطاقة المنظم في أكتوبر.
وسيكون ذلك مفيدًا في وقت ما يزال فيه بنك إنجلترا شديد الحساسية للضغوط التضخمية.
المساحة المالية تمنح بورنهام بعض المرونة
يرث بورنهام مجموعة من ضغوط الإنفاق التي لم تتمكن الحكومة السابقة من معالجتها.
فإلغاء التخفيضات الحقيقية المخطط لها على الوزارات غير المحمية في 2029 قد يكلف نحو 6 مليارات جنيه إسترليني. كما تتضمن خطة الاستثمار الدفاعي التي أُعلن عنها مؤخرًا فجوة تمويلية تقدر بنحو 4.7 مليارات جنيه.
هذه الأرقام كبيرة، لكنها لا تبدو كافية بمفردها لكسر الإطار المالي.
ومن المتوقع أن توفر التعديلات التي أعدتها وزيرة الخزانة السابقة راشيل ريفز نحو 16 مليار جنيه إسترليني من المساحة الإضافية مقابل قاعدة الموازنة الحالية خلال الخريف. وقد يساعد ذلك في تعويض جزء من التدهور المتوقع في التقديرات الرسمية نتيجة ارتفاع تكاليف الاقتراض وتراجع افتراضات الهجرة.
كما يمكن لحزمة محدودة من الزيادات الضريبية أن تضيف مساحة أخرى. فقد دُرست عدة إجراءات خلال العام الماضي من دون تطبيقها، ويمكن لمزيج من التعديلات الصغيرة التي تطال البنوك، ومعاشات التقاعد، ومجالات أخرى، أن يمول زيادات محدودة في الإنفاق.
لذلك يبقى السيناريو الأكثر ترجيحًا مزيجًا من إنفاق إضافي، وزيادات ضريبية موجهة، وارتفاع محدود في الاقتراض.
إصدارات السندات البريطانية تتجه إلى الانخفاض
حتى مع حدوث بعض التيسير المالي، من المتوقع أن تنخفض إصدارات السندات الحكومية البريطانية بقوة هذا العام.
ويخطط مكتب إدارة الدين لإصدار سندات بقيمة 246 مليار جنيه إسترليني، مقارنة بنحو 304 مليارات خلال السنة المالية السابقة. وتكتسب هذه الخطوة أهمية لأن المستثمرين يركزون عادة على حجم الدين الذي تحتاج الحكومة إلى بيعه أكثر من تركيزهم على الصياغة التفصيلية للقواعد المالية.
كما تشهد بريطانيا تشديدًا ماليًا فعليًا مع استمرار تجميد الشرائح الضريبية، وهو ما يزيد الإيرادات الحكومية من دون رفع معدلات الضرائب رسميًا.
وتساعد هذه الخلفية الداعمة نسبيًا للإصدارات على تفسير هدوء رد فعل الأسواق تجاه وصول بورنهام.
وفي حال جاءت الموازنة محدودة، فمن غير المرجح أن تتغير توقعات عودة بنك إنجلترا إلى خفض الفائدة في 2027.
دفعة استثمارية كبيرة قد تغير نظرة السوق
المصدر الأول للمفاجأة يتمثل في الإنفاق الرأسمالي.
فقد دعم بورنهام منذ فترة طويلة برامج أوسع للإسكان الاجتماعي والبنية التحتية. لكن التحدي أن القاعدة المالية الحالية تشترط بدء انخفاض صافي الدين المالي خلال ثلاث سنوات.
وتمنح صفة «المالي» بعض المرونة.
فالاستثمارات التي تُنفذ عبر القروض أو حصص الملكية يمكن أن تحظى بمعاملة أفضل، لأنها تنشئ أصولًا مالية إلى جانب الالتزامات. ولهذا قد تكتسب مقترحات مثل بنوك الإسكان الإقليمية والتوسع في استخدام صندوق الثروة الوطني أهمية أكبر.
وتستطيع هذه الأدوات جعل الاستثمار العام أقل ضررًا ظاهريًا وفق القواعد المالية، لكنها تحتاج في كثير من الحالات إلى تمويل حكومي مقدم وإصدارات إضافية من السندات.
وهذا هو العامل الذي ستراقبه الأسواق في نهاية المطاف.
وقد تقدم الخطط المتعلقة بشركة «تيمز ووتر» أو بتوسيع السيطرة العامة على البنية التحتية إشارة مبكرة إلى مدى استعداد بورنهام لاستخدام هذه الأدوات الاستثمارية.
إصلاح الرعاية الاجتماعية قد يخفض عوائد السندات
قد يأتي المصدر الثاني للمفاجأة من إصلاح نظام الرعاية الاجتماعية.
فالإنفاق على الرعاية يستحوذ على حصة متزايدة من المصروفات الحكومية، لكن محاولات تقليص مخصصات الإعاقة أو التقاعد واجهت سابقًا مقاومة سياسية قوية.
ولم يقدم بورنهام حتى الآن إشارات واضحة إلى رغبته في تعديل النظام الذي يرفع معاشات الدولة وفق أعلى نسبة بين التضخم، ونمو الأجور، و2.5%.
ومع ذلك، قد يلقى برنامج إصلاحي موثوق ترحيبًا من المستثمرين إذا أدى إلى تحسين ملموس في الوضع المالي الطويل الأجل.
وقد تكون الوفورات محدودة على المدى القريب، لكن الإشارة السياسية تحمل وزنًا كبيرًا. فالحكومة المستعدة لاتخاذ قرارات صعبة في ملف الرعاية قد تُنظر إليها على أنها أكثر جدية في التعامل مع استدامة الدين.
وقد يؤدي ذلك إلى خفض عوائد السندات الحكومية، خصوصًا عند الآجال الطويلة.
إصلاح ضرائب العقارات يحمل مخاطر سياسية
قد يسعى بورنهام أيضًا إلى تعديل نظام الضرائب على العقارات.
فكثيرًا ما تتعرض ضريبة الدمغة للانتقاد لأنها تحد من حركة بيع وشراء المنازل، بينما ما تزال ضريبة المجالس المحلية مبنية على قيم العقارات المسجلة في 1991. ويُنظر إلى النظامين باعتبارهما قديمين وغير كفؤين.
لكن الإصلاح قد يفتح مشكلات سياسية واسعة.
فإلغاء ضريبة الدمغة أو خفضها سيطرح أسئلة بشأن من دفعوا مبالغ كبيرة مؤخرًا عند شراء منازلهم. أما إعادة تقييم ضريبة المجالس المحلية فستخلق رابحين وخاسرين بوضوح بين المناطق والأسر.
وقد لا يحقق الإصلاح أيضًا إيرادات إضافية تُذكر، ما يحد من فائدته ضمن القواعد المالية.
لذلك قد تكون الخطوة الأولى الأكثر ترجيحًا توسيع ضريبة القصور المقرر بدء تطبيقها في 2028، بدلًا من إعادة تصميم نظام ضرائب العقارات بالكامل.
رفع الإعفاء الشخصي من ضريبة الدخل سيكون مكلفًا
قد يفكر بورنهام كذلك في رفع حد الإعفاء الشخصي من ضريبة الدخل.
فهذا الحد ما يزال مجمدًا عند 12,570 جنيهًا إسترلينيًا منذ 2021. وزيادته بنسبة 10% قد تكلف الخزانة نحو 11 مليار جنيه إسترليني سنويًا.
وسيقدم هذا الإجراء دعمًا واضحًا للعاملين، لكنه سيضعف أحد العوامل الرئيسية التي تخفض الاقتراض البريطاني حاليًا. فتجميد الشرائح يزيد العبء الضريبي الفعلي مع ارتفاع الأجور، ويوفر إيرادات إضافية كبيرة للحكومة.
وقد يدفع التراجع الجزئي عن هذه السياسة المستثمرين إلى التشكيك في التزام الحكومة بمسار خفض العجز المتوقع.
ومن الحلول الوسط المحتملة إجراء مبادلة ضريبية، من خلال خفض مساهمات التأمين الوطني بنقطتين مئويتين، مع رفع ضريبة الدخل بالمقدار نفسه. ونظرًا إلى اتساع قاعدة ضريبة الدخل، فقد توفر هذه الخطوة نحو 6 مليارات جنيه سنويًا، مع بقاء الفاتورة الضريبية لمعظم الموظفين قريبة من مستوياتها الحالية.
ومع ذلك، قد تتعامل الأسواق بحذر إذا أشارت الحزمة النهائية إلى اقتراض أعلى.
تعديل القواعد المالية قد يصبح حتميًا لاحقًا
يتمثل الخطر الأكبر على المدى المتوسط في احتمال تعديل القواعد المالية نفسها.
ومن الخيارات المطروحة استثناء الإنفاق الدفاعي أو بعض الاستثمارات من حدود الاقتراض. ويمكن للحكومة أن تقول إن الأسواق يجب أن تفرق بين الاقتراض لتمويل الإنفاق اليومي والاقتراض لتمويل أصول طويلة الأجل.
وقد يتقبل المستثمرون هذا التمييز من حيث المبدأ، لكن ارتفاع الاقتراض يعني في النهاية زيادة إصدارات السندات.
وهذه هي القضية الأساسية بالنسبة إلى السوق.
تكمن أهمية القواعد المالية في قدرتها على تقييد حجم الدين الذي يمكن للحكومة إصداره. وإذا تغيرت القواعد بطريقة تسمح بزيادة كبيرة في الاقتراض، فمن المرجح أن ترتفع عوائد السندات حتى لو جرى تصنيف الإنفاق على أنه استثماري.
ولا تتوقع الأسواق تعديلًا واسعًا للقواعد خلال 2026، لكن هذا الاحتمال قد يصبح أكثر ترجيحًا خلال السنوات التالية إذا تجاوزت طموحات حزب العمال المساحة المتاحة من الضرائب والإنفاق.
الانتخابات المبكرة تبقى المفاجأة الأكبر
قد تأتي المفاجأة الأكثر إرباكًا من خارج الموازنة بالكامل.
فإجراء انتخابات عامة مبكرة ما يزال احتمالًا ضعيفًا، لكنه غير مستبعد. وتضع أسواق المراهنات احتماله عند نحو 15% إلى 20%.
ويمتلك حزب العمال حاليًا أغلبية مريحة تبلغ 166 مقعدًا، بينما تشير استطلاعات الرأي إلى أنه قد يخسر ما يقارب نصفها إذا أُجريت الانتخابات فورًا. وهذا يجعل الدعوة إلى اقتراع مبكر خطوة شديدة المخاطرة.
لكن بورنهام فاز مؤخرًا بأكثر من 50% من الأصوات في دائرة ميكرفيلد، وهي دائرة كان من الممكن أن تتجه إلى حزب الإصلاح البريطاني. وإذا امتدت شعبيته الشخصية إلى المستوى الوطني، فقد يميل إلى طلب تفويض جديد قبل أن تتراجع هذه الشعبية.
وسبق لرؤساء وزراء جدد أن سعوا للحصول على تفويضهم الخاص. فعلت تيريزا ماي ذلك في 2017، واتخذ بوريس جونسون الخطوة نفسها في 2019.
وقد يرى بورنهام أيضًا أن برنامجه السياسي يحتاج إلى ولاية كاملة من خمس سنوات، حتى لو أسفرت الانتخابات عن أغلبية أقل.
لماذا قد تقلق الأسواق من انتخابات مبكرة؟
ستخلق الانتخابات المبكرة نوعين من المخاطر أمام المستثمرين.
فإذا فاز حزب العمال بأغلبية جديدة، فقد تتوقع الأسواق تفويضًا أقوى لزيادة الاقتراض والتوسع في الاستثمار العام. وإذا فشل الحزب في تحقيق الأغلبية، فقد تؤدي النتيجة إلى شلل سياسي أو حكومة أضعف.
ولا يبدو أي من السيناريوهين داعمًا بصورة خاصة للسندات البريطانية أو الجنيه الإسترليني.
كما تقدم انتخابات 2017 تحذيرًا مهمًا. فقد دخلت تيريزا ماي الحملة وهي تتمتع بتقدم قوي في استطلاعات الرأي، لكنها خسرت الأغلبية التي كان يتمتع بها حزب المحافظين.
ويجعل هذا التاريخ الدعوة إلى الانتخابات استراتيجية خطرة، ولهذا لا تمثل السيناريو الأساسي. ومع ذلك، قد يكون الاحتمال الحقيقي أعلى مما توحي به أسواق المراهنات حاليًا.









