تراجع الصين عن الذهب الورقي قد يعيد تشكيل آلية تسعير الذهب عالميًا

بدأت عدة بنوك صينية كبرى تقييد وصول المستثمرين الأفراد إلى منتجات الذهب الورقي، مع منح العملاء خيارات تشمل إغلاق المراكز، أو بيع الحيازات، أو تحويلها إلى ذهب فعلي. وتقدم السلطات هذه الإجراءات في إطار حماية المستثمرين بعد التصحيح الحاد في المعادن الثمينة، لكنها تنسجم أيضًا مع توجه صيني طويل الأجل لبناء سوق ذهب يكون للتسوية الفعلية فيها تأثير أكبر في تحديد الأسعار.

بواسطة Ahmed Azzam | @3zzamous

Copied
China’s Paper Gold Restrictions Could Reshape Global Pricing
  • يوقف البنك الصناعي والتجاري الصيني تداول الأفراد في عقود ذهب محددة اعتبارًا من 24 يوليو.

  • فرضت عدة بنوك صينية كبرى قيودًا مشابهة خلال أربعة أشهر فقط.

  • يُطلب من العملاء إغلاق مراكزهم أو بيع حيازاتهم أو استلام الذهب فعليًا.

  • قد يزيد هذا التحول تدريجيًا تأثير الأسواق الآسيوية القائمة على التسوية الفعلية في تسعير الذهب.

الصين تغير طريقة وصول الأفراد إلى الذهب

اتخذت الصين خطوة جديدة ومهمة في مسار إعادة تنظيم سوق الذهب المحلية.

فقد أعلن البنك الصناعي والتجاري الصيني، وهو أحد أكبر البنوك في العالم، في 24 يونيو أن العملاء الأفراد لن يتمكنوا من تداول بعض عقود الذهب من خلال البنك اعتبارًا من 24 يوليو.

وحصل العملاء المتأثرون على عدة خيارات، تشمل بيع انكشافهم على الذهب، أو إغلاق المراكز القائمة، أو تحويل الحيازات المؤهلة إلى معدن فعلي.

ولا يمثل قرار البنك الصناعي والتجاري الصيني حالة منفردة. فقد بدأ بنك بينغ آن تقييد أجزاء من أنشطة المعادن الثمينة في أبريل، ثم تبعته مؤسسات كبرى أخرى.

وتشير كثافة الإجراءات التي اتخذتها عدة بنوك كبيرة خلال أشهر قليلة إلى تحول منظم في الطريقة المسموح من خلالها للأسر الصينية بالاستثمار في الذهب.

التفسير المباشر هو حماية المستثمرين. أما النتيجة الأوسع، فقد تكون انتقالًا تدريجيًا من المطالبات الورقية التي تنشئها البنوك إلى أدوات أكثر ارتباطًا بالمعدن الفعلي والتسوية بالتسليم.

مبررات حماية المستثمرين تبدو منطقية

ارتفع طلب المستثمرين الأفراد في الصين على الذهب بقوة خلال موجة صعود المعادن الثمينة الأخيرة.

تجاوز سعر الذهب 4,000 دولار للأونصة، ثم تخطى لفترة قصيرة مستوى 5,000 دولار، قبل أن يتعرض لتصحيح تجاوزت نسبته 30%. وتكبد المستثمرون الذين دخلوا السوق عبر منتجات تعتمد على الرافعة المالية أو الهامش خسائر كبيرة.

وردت البنوك برفع متطلبات الهامش. فقد طالبت بعض المؤسسات بضمانات تتراوح قيمتها بين 120% و140% من حجم المركز الأساسي، بينما ارتفعت المتطلبات على بعض منتجات البنك الصناعي والتجاري الصيني، وفق التقارير، إلى 190%.

وسبق للصين أن واجهت التداعيات السياسية لطرح منتجات سلعية معقدة للمستثمرين الأفراد.

ففي عام 2020، تسبب منتج تابع لبنك الصين ومرتبط بعقود النفط الآجلة في خسائر كبيرة لنحو 60 ألف عميل، بعدما تحولت أسعار الخام لفترة وجيزة إلى المنطقة السلبية. وأثارت الحادثة نزاعات واسعة حول تصميم المنتج، والإفصاح عن المخاطر، والمسؤولية عن الخسائر.

ومن هذا المنظور، يمثل سحب عقود الذهب ذات الرافعة المالية من منصات الأفراد قرارًا منطقيًا لإدارة المخاطر.

ومع ذلك، قد لا تفسر حماية المستثمرين الاستراتيجية بأكملها.

الصين لا تتخلى عن تداول الذهب

لا تعني القيود محاولة صينية للحد من الطلب المحلي على الذهب.

فالصين تدير واحدة من أكبر أسواق الذهب الفعلي في العالم، وقد أمضت أكثر من عقدين في بناء بنية تحتية تهدف إلى تعزيز دور التسوية الفعلية في تحديد الأسعار.

والفارق الأساسي هنا هو الفرق بين التعرض لتحركات سعر الذهب وامتلاك الذهب نفسه.

يمنح منتج الذهب الورقي المستثمر العائد الاقتصادي المرتبط بالمعدن، من دون أن ينقل إليه بالضرورة ملكية سبيكة محددة. وقد يظهر المركز في صورة قيد داخل دفاتر البنك، أو عقد آجل، أو حساب غير مخصص، أو صندوق متداول، أو أداة مالية مهيكلة.

أما الملكية الفعلية، فتحتاج إلى معدن محدد، وحفظ آمن، وقدرة حقيقية على طلب التسليم.

ومن خلال تقليص الوصول إلى المنتجات الورقية الصادرة عن البنوك مع الإبقاء على مسارات امتلاك الذهب الفعلي، تعيد الصين تشكيل الطريقة التي يصل بها الطلب إلى السوق.

لماذا يؤثر الذهب الورقي في الأسعار؟

لا تتحدد أسعار الذهب من خلال بيع السبائك والعملات المعدنية وحدها.

فكميات ضخمة من الذهب تُتداول عبر العقود الآجلة، والخيارات، والحسابات غير المخصصة، والصناديق المتداولة، والمقايضات، وغيرها من المشتقات. ويجري تنفيذ كثير من هذه المراكز وإغلاقها من دون انتقال أي معدن فعلي بين البائع والمشتري.

يوفر هذا النظام سيولة واسعة، ويسمح للمنتجين والبنوك والمستثمرين بالتحوط من المخاطر. لكنه يعني أيضًا أن حجم المطالبات المالية المرتبطة بالذهب قد يكون أكبر بكثير من كمية المعدن المتاحة للتسليم الفوري.

وتختلف تقديرات النسبة بين المطالبات الورقية والذهب الفعلي بصورة كبيرة. ولا يوجد رقم عالمي واحد ومدقق، لأن السوق تشمل البورصات، والمشتقات الثنائية، والحسابات المصرفية، والصفقات الخاصة.

لذلك لا تتمثل القضية في اعتبار كل مطالبة ورقية مشكلة في حد ذاتها. السؤال الأهم هو ما الذي يحدث عندما تطلب نسبة مؤثرة من المستثمرين التسليم الفعلي في الوقت نفسه.

فالنظام القائم على معدلات تسليم منخفضة قد يتعرض للضغط عندما يتغير سلوك المتعاملين.

التسوية الفعلية تفرض انضباطًا على السوق

تتمحور البنية البديلة التي تطورها الصين حول بورصة شنغهاي للذهب.

أُسست البورصة عام 2002، وصُممت حول عقود تسمح بالتسوية الفعلية. ويستطيع المستثمرون الذين يحتفظون بعقود مؤهلة طلب التسليم من خلال شبكة الخزائن المعتمدة التابعة للبورصة.

وتضع هذه القدرة حدًا لاتساع الفجوة بين الأسعار الورقية وظروف السوق الفعلية.

فلا يستطيع البائع إنشاء عدد غير محدود من المطالبات على كمية محدودة من المعدن بأمان، عندما يملك أصحاب العقود طريقًا عمليًا للحصول على السبائك. وتجبر قابلية التحويل المشاركين على أخذ المخزونات المتاحة، وتكاليف التمويل، والطلب الفعلي في الحسبان.

وقد يختلف سعر شنغهاي عن الأسعار في لندن أو نيويورك. لكن عندما تتسع علاوة السعر، يحصل المتداولون على حافز لشراء الذهب من السوق الأرخص وبيعه في السوق الأعلى سعرًا.

وتساعد عمليات المراجحة تدريجيًا على تقليص الفجوة بين الأسواق.

وفي سبتمبر 2023، تجاوزت علاوة الذهب في شنغهاي، وفق التقارير، 120 دولارًا للأونصة مقارنة بسعر لندن. وعكست هذه الفجوة قوة الطلب الصيني، وشجعت انتقال المعدن نحو السوق الأعلى سعرًا.

هونغ كونغ توسع النظام إلى الأسواق الدولية

بدأت استراتيجية الصين للذهب تمتد بصورة متزايدة إلى خارج البر الرئيسي.

ففي يونيو 2025، أطلقت هونغ كونغ عقودًا خارجية مرتبطة بأسعار بورصة شنغهاي للذهب، ومدعومة بتسوية فعلية من خلال خزائن محلية.

واكتسبت هذه الخطوة أهمية لأنها منحت المستثمرين الدوليين وصولًا أوسع إلى مؤشر آسيوي قائم على التسليم الفعلي، من دون الحاجة إلى الترتيبات المصرفية المحلية نفسها المستخدمة داخل الصين.

كما تعمل هونغ كونغ على توسيع قدرتها على تخزين الذهب.

وتضمنت الخطط إنشاء منشأة أولية قرب المطار بطاقة تتراوح بين نحو 200 و1,000 طن متري، إلى جانب هدف أوسع لرفع سعة التخزين إلى أكثر من 2,000 طن خلال عدة سنوات.

العقود الورقية تحتاج إلى خوادم وأنظمة مقاصة وميزانيات مصرفية. أما التسوية الفعلية فتحتاج إلى خزائن، وشبكات نقل، وخبراء لفحص جودة المعدن، وخدمات لوجستية مؤمنة.

ويشير هذا التوسع في البنية التحتية إلى أن الصين وهونغ كونغ تتوقعان زيادة أهمية التدفقات الفعلية للذهب خلال السنوات المقبلة.

التاريخ يكشف أثر الضغط على التسليم

التوتر بين الأسعار الرسمية والطلب على المعدن الفعلي ليس ظاهرة جديدة.

ففي ظل نظام بريتون وودز، كان الدولار الأميركي قابلًا للتحويل إلى الذهب لصالح الحكومات الأجنبية عند سعر 35 دولارًا للأونصة، فيما ارتبطت العملات الرئيسية الأخرى بالدولار.

وبحلول أواخر الستينيات، أدى ارتفاع الإنفاق الأميركي والتوسع النقدي إلى زيادة الشكوك حول امتلاك الولايات المتحدة كمية كافية من الذهب للوفاء بهذا الالتزام. وبدأت الحكومات الأجنبية والمشترون من القطاع الخاص المطالبة بكميات أكبر من المعدن الفعلي.

وحاولت الولايات المتحدة وعدد من البنوك المركزية الأوروبية الدفاع عن السعر الرسمي من خلال تجمع لندن للذهب، الذي كان يبيع من الاحتياطيات كلما دفع الطلب السعر إلى الارتفاع.

لكن النظام تعرض في النهاية لضغط شديد.

ففي مارس 1968، ارتفعت عمليات السحب الفعلي من مستوى يومي معتاد يقارب خمسة أطنان إلى مئات الأطنان. وتشير التقارير إلى خروج أكثر من 1,000 طن خلال الأسبوع الأخير من الأزمة.

وأُغلقت سوق الذهب في لندن مؤقتًا، وظهر نظام سعري مزدوج: سعر رسمي لمعاملات البنوك المركزية، وسعر أعلى في السوق الحرة.

وانتهى الارتباط الكامل بين الدولار والذهب في 1971. ثم وصل الذهب إلى 850 دولارًا للأونصة في يناير 1980، مقارنة بالسعر الرسمي السابق البالغ 35 دولارًا.

وأظهرت التجربة أن نظام التسعير الرسمي أو القائم على المشتقات قد يستمر لسنوات، ثم يتغير سريعًا عندما تصبح قابلية التحويل إلى معدن فعلي هي الشاغل الأساسي للسوق.

السوق الحديثة واجهت أيضًا ضغوطًا على التسليم

تكشف أحداث أكثر حداثة مدى سرعة تأثير ضغط التسليم في أسواق السلع الكبرى.

فخلال أزمة النيكل في 2022، علقت بورصة لندن للمعادن التداول وألغت صفقات بمليارات الدولارات، بعدما قفزت الأسعار وهددت مراكز كبار المشاركين في السوق.

كما تحتفظ بورصات السلع بصلاحيات طارئة تسمح لها بتعليق التداول، أو تعديل شروط التسليم، أو رفع متطلبات الضمان، أو تحديد آليات التسوية خلال فترات الاضطراب الشديد.

ولم يشهد الذهب أزمة مطابقة، لكن سوقه الفعلية أظهرت علامات على الضغط.

فخلال موجة نقل المعدن من لندن إلى نيويورك، عبر نحو 790 طنًا من الذهب المحيط الأطلسي خلال عدة أشهر. وارتفعت فترات انتظار سحب الذهب من خزائن بنك إنجلترا من نحو أسبوع إلى ما يصل إلى ثمانية أسابيع، بينما صعدت معدلات تأجير الذهب من أقل من 0.5% إلى أكثر من 10%.

لم تتسبب هذه التحركات في انهيار السوق، لكنها أظهرت أن حتى أكبر مراكز تداول الذهب الفعلي قد تواجه ضغوطًا لوجستية عندما يتغير الطلب بسرعة على أنواع محددة من السبائك أو مواقع بعينها.

البنوك المركزية تختار الاحتياطيات الفعلية

قد يكون التحول الهيكلي الأهم جاريًا خارج سوق المستثمرين الأفراد.

فقد اشترت البنوك المركزية ما يقارب 1,000 طن متري من الذهب سنويًا أو أكثر خلال عدة أعوام حديثة. وتسارعت المشتريات بعد تجميد الحكومات الغربية احتياطيات روسيا من النقد الأجنبي في فبراير 2022.

وغير ذلك القرار الطريقة التي يقيم بها مديرو الاحتياطيات الأصول السيادية.

توفر السندات الحكومية عائدًا وسيولة، لكنها تبقى التزامات صادرة داخل نظام سياسي ومالي. أما الذهب الموجود في خزائن محلية، فلا يمثل التزامًا على حكومة أخرى، ولا يمكن تجميده بالآلية نفسها.

وبالنسبة إلى البنوك المركزية، يرتبط التحول بتنويع الاحتياطيات، والحماية من المخاطر الجيوسياسية، وتعزيز السيطرة على الأصول أكثر من ارتباطه بالمضاربة قصيرة الأجل على الأسعار.

كما أدى ارتفاع قيمة الحيازات الحالية إلى زيادة حصة الذهب من الاحتياطيات الرسمية العالمية. وسمح مديرو الاحتياطيات ببقاء جزء كبير من هذه الزيادة، بدل بيع المعدن لإعادة الأوزان إلى مستوياتها السابقة.

ويشير هذا السلوك إلى أن الذهب أصبح يُعامل كأصل احتياطي استراتيجي، لا كصفقة يجري إغلاقها بعد تحقيق مكاسب سعرية.

هل تؤدي القيود الصينية إلى قفزة فورية في الذهب؟

من غير المرجح حدوث إعادة تسعير مفاجئة بين ليلة وضحاها.

إغلاق منتجات الذهب الورقي الموجهة للأفراد في البنوك الصينية خطوة مهمة، لكنه لا يلغي بمفرده أسواق العقود الآجلة والمشتقات والحسابات غير المخصصة التي تعمل عالميًا.

وقد يختار كثير من العملاء إغلاق مراكزهم بدل طلب التسليم الفعلي. وقد ينتقل بعضهم إلى أدوات مالية بديلة، فيما قد يغادر آخرون السوق بعد الخسائر الأخيرة.

التأثير الأكبر سيكون تراكميًا.

فإذا انتقل مزيد من الطلب الصيني نحو السبائك الفعلية، واستمرت علاوة شنغهاي، وتوسعت السوق الخارجية في هونغ كونغ، وواصلت البنوك المركزية شراء الذهب، فقد يزداد تأثير التسوية الفعلية في الأسعار العالمية بمرور الوقت.

وسيحدث هذا من خلال المراجحة بين الأسواق، وتحركات المخزونات، وارتفاع معدلات التأجير، وزيادة المنافسة على السبائك المتاحة.

لهذا يُفهم التحول بصورة أدق باعتباره خطوة جديدة في إعادة هيكلة طويلة الأجل لسوق الذهب، وليس موعدًا محددًا ينتهي فيه نظام التسعير الحالي فجأة.

خمس إشارات يجب مراقبتها

يمكن لعدة مؤشرات الكشف عن ارتفاع تأثير السوق الفعلية في تحديد الأسعار.

الإشارة الأولى هي الفارق بين أسعار شنغهاي ولندن. واستمرار علاوة مرتفعة في شنغهاي يعني قوة الطلب الفعلي في آسيا، ويحفز انتقال المعدن نحو الشرق.

الإشارة الثانية هي الضغط داخل خزائن لندن، ويمكن قياسه من خلال فترات انتظار السحب ومعدلات تأجير الذهب.

الإشارة الثالثة هي مشتريات البنوك المركزية. فاستمرار الشراء قرب 1,000 طن سنويًا سيدعم التحول من الاحتياطيات المالية إلى الأصول الفعلية.

الإشارة الرابعة هي توسع سعة التخزين في هونغ كونغ، ونمو العقود الخارجية القائمة على التسوية الفعلية.

أما الإشارة الخامسة، فهي اتجاه مزيد من البنوك الصينية إلى إزالة المنتجات غير المخصصة أو المعتمدة على الرافعة المالية، وتوجيه العملاء نحو بدائل مدعومة بإمكانية التسليم.

وإذا تحركت هذه المؤشرات معًا، فقد يبدأ ميزان القوة في تسعير الذهب عالميًا بالتحول بصورة أكثر وضوحًا نحو الأسواق الفعلية في آسيا.

Copied