عائد سندات الخزانة عند 5.2% يعقّد تخفيضات ترامب الضريبية
باعت واشنطن 25 مليار دولار من سندات الخزانة لأجل 30 عامًا بعائد بلغ 5.216%، وهو أعلى مستوى لتكلفة الاقتراض الطويل الأجل منذ عام 2001. ولا يمثل ذلك مجرد محطة فنية في سوق السندات، بل يعكس ارتفاع تكلفة رأس المال في النظام المالي بأكمله في وقت يناقش فيه صناع السياسة إجراءات تهدف إلى دعم الاستثمار وزيادة شهية المخاطرة.

واشنطن باعت 25 مليار دولار من السندات لأجل 30 عامًا بعائد 5.216%.
عندما تقترض الخزانة الأميركية بهذا العائد، تصبح جميع الشركات مطالبة بتقديم عائد أعلى لجذب المستثمرين.
خفض ضرائب أرباح رأس المال قد يدعم شهية المخاطرة ويشجع الاستثمار ويحافظ على تقييمات الأسهم.
لماذا يطلب سوق السندات عائدًا أعلى؟
ارتفاع العوائد الطويلة الأجل لا يرتبط بمزاد واحد فقط. فالمستثمرون ينظرون إلى احتمال اتساع العجز الفيدرالي وزيادة إصدار الديون إذا جرى تمويل التخفيضات الضريبية عبر مزيد من الاقتراض بدلًا من خفض الإنفاق.
وعندما يرتفع المعروض من الدين الحكومي، يطالب المستثمرون بتعويض أكبر، خصوصًا في ظل بقاء مخاطر التضخم قائمة. فأسعار الطاقة ما تزال متقلبة، والسياسة المالية تتجه نحو مزيد من التوسع، كما أن حالة عدم اليقين المرتبطة بعام الانتخابات تقلل الثقة في المسار الطويل الأجل للمالية العامة.
ولهذا عاد مصطلح حراس السندات (Bond Vigilantes) إلى نقاشات السوق. والفكرة ليست أن المستثمرين يحاولون معاقبة الحكومة، بل أنهم أصبحوا أقل استعدادًا لتجميد أموالهم لعقود طويلة عند عوائد لم يعودوا يرونها كافية لتعويض مخاطر التضخم والعجز والسياسة الاقتصادية.
الأموال قد لا تتجه إلى الأسهم كما يتوقع المتفائلون
يرى مؤيدو خفض ضرائب أرباح رأس المال أن الضرائب الأقل تشجع المستثمرين على بيع الأصول الرابحة، ما يحرر سيولة يمكن إعادة استثمارها في أصول منتجة، وهو طرح له أساس تاريخي.
لكن وجود سندات خزانة لأجل 30 عامًا بعائد يتجاوز 5% يقدم شيئًا غاب لسنوات: عائدًا اسميًا مرتفعًا نسبيًا من الحكومة الأميركية نفسها. وهذا يغير حسابات صناديق التقاعد وشركات التأمين والمتقاعدين وكثير من المستثمرين المؤسساتيين.
فالمستثمر الذي يبيع عقارًا أو أسهمًا رابحة تحت نظام ضريبي أكثر ملاءمة كان يجد، عندما كانت عوائد السندات بين 1% و2%، أن العودة إلى الأسهم تكاد تكون الخيار الطبيعي. أما عند عوائد تفوق 5%، فإن القرار يصبح أقل وضوحًا بكثير.
وقد يتجه جزء من السيولة بالفعل إلى أسهم الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، لكن جزءًا أكبر مما يتوقعه المتفائلون قد ينجذب إلى السندات الحكومية الطويلة الأجل لأنها أصبحت تقدم دخلًا مرتفعًا مع مستوى أعلى من الأمان.

المصدر: MacroMicro
العوائد المرتفعة ترفع العتبة أمام طفرة الذكاء الاصطناعي
عندما تستطيع الخزانة الأميركية الاقتراض لأجل 30 عامًا بأكثر من 5%، فإن كل شركة ترغب في الاقتراض لتمويل مراكز بيانات أو شراء رقائق أو تنفيذ استحواذات أو بناء بنية تحتية تصبح مضطرة لمنافسة هذا العائد.
وبالنسبة للشركات العملاقة مثل مايكروسوفت وأمازون وألفابت وميتا، لا يمثل ذلك أزمة تمويل فورية، لأن هذه الشركات ما تزال تولد تدفقات نقدية ضخمة.
لكن الضغط الحقيقي أكثر دقة
فكل نقطة مئوية إضافية في تكلفة الاقتراض تقلل العائد المتوقع على المشاريع المستقبلية. ومركز البيانات الذي بدا جذابًا جدًا عندما كانت تكلفة رأس المال الطويل الأجل 3% يصبح أقل جاذبية بشكل ملحوظ عندما يتجاوز العائد المرجعي 5%.
وهنا يرتبط سوق السندات مباشرة بنقاش الذكاء الاصطناعي. فموجة الصعود لم تعتمد فقط على توقعات أرباح استثنائية، بل أيضًا على افتراض أن رأس المال سيبقى متوفرًا ورخيصًا نسبيًا. وارتفاع عوائد السندات يشكك في هذا الافتراض.
لماذا تُقارن 2026 بعامي 1981 و2018؟
ينظر كثير من المستثمرين إلى موجة بيع السندات الحالية من خلال عدستين تاريخيتين: 1981 و2018. والمقصود ليس أن الاقتصاد يعيد السيناريو نفسه حرفيًا، بل أن الأسواق ترى مزيجًا مألوفًا من تخفيضات ضريبية مقترحة، وعجز متزايد، وتشدد في الأوضاع المالية في الوقت نفسه.
في عام 1981، قدمت إدارة ريغان تخفيضات ضريبية كبيرة بينما كان التضخم وأسعار الفائدة ما يزالان مرتفعين. وفي عام 2018، أدت تخفيضات ترامب الضريبية إلى توسيع العجز المالي رغم أن الاقتصاد كان ينمو بالفعل وكان الاحتياطي الفيدرالي يواصل تطبيع السياسة النقدية.
والوضع الحالي يحمل عناصر من الفترتين معًا
فتمديد تخفيضات 2017 وإضافة إعفاءات جديدة على أرباح رأس المال سيعنيان على الأرجح مزيدًا من الاقتراض إذا لم يترافقا مع خفض ملموس في الإنفاق. لكن الفارق الحاسم هو نقطة الانطلاق المالية. ففي عام 1981 كان الدين الأميركي يعادل نحو 32% من الناتج المحلي الإجمالي، أما اليوم فهو يتجاوز 123% من الناتج المحلي الإجمالي.
لماذا يغير ذلك طريقة قراءة المستثمرين للسياسة المالية؟
ترى الأسواق الحالية مزيجًا بين مخاوف تضخم تشبه 1981 ومخاوف عجز تشبه 2018. ولهذا يطالب المستثمرون بعلاوة أعلى للاحتفاظ بالسندات الطويلة الأجل، لأن الثقة في قدرة الحكومة على مواصلة توسيع الاقتراض من دون ضغوط إضافية على التضخم وأسعار الفائدة والاستدامة المالية أصبحت أضعف مما كانت عليه في دورات سابقة.
وبمعنى آخر، لم يعد الجدل حول تخفيضات ترامب الضريبية يدور فقط حول دعم الأسهم أو النمو الاقتصادي، بل أصبح مرتبطًا أيضًا بالسؤال الأوسع: إلى أي مدى يمكن تمويل التوسع المالي في اقتصاد يواجه بالفعل عوائد مرتفعة وديونًا تاريخية وأسواقًا تراقب تكلفة رأس المال أكثر من أي وقت مضى؟

المصدر: Trading Economics









