لماذا تتجاهل أسواق السندات الأمريكية عمليات إعادة الشراء رغم اقتراب العائد من 5%

رغم أن وزارة الخزانة الأمريكية أعادت شراء سندات بقيمة 5.2 مليار دولار في أحدث عملياتها، فإن الرسالة التي أرسلتها السوق كانت مختلفة تمامًا. فبدلًا من تراجع العوائد، واصلت السندات الأمريكية خسائرها، ليرتفع عائد السندات لأجل عشر سنوات مقتربًا من مستوى 5%، بينما سجل عائد السندات لأجل ثلاثين عامًا أعلى مستوياته منذ سنوات.

بواسطة يزيد أبو سماقة | @Yazeed Abu Summaqa

Copied
CL Articles_Yields_1-1
  • أعادت الخزانة الأمريكية شراء سندات بقيمة 5.2 مليار دولار.

  • عائد السندات لأجل عشر سنوات يقترب من 5%، بينما بلغ عائد الثلاثين عامًا نحو 5.36%.

  • أسعار المنتجين في الولايات المتحدة ارتفعت 0.4% خلال أغسطس.

  • العجز المالي يقترب من 6% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما تجاوز الدين الأمريكي 40 تريليون دولار.

المشكلة ليست في إعادة الشراء، بل في حجم المعروض

الهدف من عمليات إعادة الشراء ليس خفض العوائد بصورة مباشرة، بل تحسين سيولة التداول في بعض الإصدارات القديمة والأقل نشاطًا. لكن هذه العمليات لا تلغي الحاجة إلى تمويل العجز الفيدرالي، ولا تقلل من حجم الإصدارات الجديدة التي يجب على وزارة الخزانة طرحها في السوق.

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية

فعندما يزداد المعروض من السندات بوتيرة أسرع من قدرة المستثمرين على استيعابه، تنخفض الأسعار وترتفع العوائد. ولهذا جاءت عملية إعادة الشراء الأخيرة كإشارة مهمة أكثر من كونها أداة مؤثرة بحد ذاتها. فالسوق توحي بأن تحسين السيولة وحده لم يعد كافيًا لتغيير اتجاه إعادة تسعير الدين الأمريكي.

التضخم يزيد الضغط على السندات طويلة الأجل

تقرير أسعار المنتجين لشهر أغسطس أضاف سببًا جديدًا لحذر المستثمرين. فقد ارتفع المؤشر بنسبة 0.4% على أساس شهري، بينما بلغت الزيادة السنوية في أسعار الطلب النهائي 5.4%، مع مساهمة واضحة لأسعار الطاقة في هذا الارتفاع.

PPI US Data

المصدر: U.S. Bureau of Labor Statistics

لكن المشكلة لا تتعلق بالتضخم الحالي فقط

فالعوائد طويلة الأجل تعكس مجموعة أوسع من العوامل، تشمل توقعات التضخم والنمو المستقبلي، وحجم الاقتراض الحكومي، والعائد الإضافي الذي يطالب به المستثمرون مقابل الاحتفاظ بالسندات طويلة الأجل. وفي الوقت نفسه، أصبحت الأسواق تسعّر احتمالًا يقارب 70% لرفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في اجتماعه المقبل، وهو ما يضيف ضغطًا إضافيًا على منحنى العائد.

Snag_21fb57

المصدر: Bloomberg

الذكاء الاصطناعي أصبح ينافس الخزانة على رؤوس الأموال

الحكومة الأمريكية لم تعد المقترض الوحيد في الأسواق. فموجة الاستثمار الضخمة في الذكاء الاصطناعي، التي تشمل مراكز البيانات وأشباه الموصلات وشبكات الكهرباء والبنية التحتية الرقمية، تحتاج هي الأخرى إلى تمويل هائل يعتمد بدرجة كبيرة على أسواق الدين.

وهذا يخلق منافسة مباشرة بين الحكومة والقطاع الخاص على المدخرات العالمية

فكلما زاد إصدار الشركات للسندات لتمويل مشاريع الذكاء الاصطناعي، ارتفعت الحاجة إلى تقديم عوائد أكثر جاذبية لجذب المستثمرين. ومع ارتفاع تكلفة التمويل في القطاع الخاص، يصبح من المنطقي أن تبقى عوائد السندات الحكومية مرتفعة أيضًا، حتى في ظل استمرار عمليات إعادة الشراء.

علاوة الأجل أصبحت العامل الأكثر تأثيرًا

أحد أهم المتغيرات التي تفسر ما يحدث اليوم هو ما يعرف بعلاوة الأجل، أي العائد الإضافي الذي يطلبه المستثمر للاحتفاظ بسند طويل الأجل بدلًا من إعادة استثمار أمواله في أدوات قصيرة الأجل بشكل متكرر. هذه العلاوة ترتفع عادة عندما تزداد حالة عدم اليقين بشأن التضخم، أو النمو أو السياسة النقدية أو الأوضاع المالية.

واليوم تجتمع كل هذه العوامل في وقت واحد

فالعجز المالي الكبير، والإصدارات الضخمة من السندات، والتوترات الجيوسياسية، ومسار التضخم غير الواضح، كلها تدفع المستثمرين للمطالبة بعائد أعلى على السندات طويلة الأجل، حتى لو كانوا يتوقعون خفض الفائدة في مرحلة لاحقة. وهذا يفسر لماذا تستطيع العوائد طويلة الأجل الارتفاع، بينما تنخفض توقعات الفائدة المستقبلية في الوقت نفسه.

ارتفاع العوائد يغذي المشكلة المالية نفسها

لم تعد عوائد سندات الخزانة المرتفعة مجرد رقم في سوق السندات، بل أصبحت جزءًا من معادلة تضغط على المالية العامة الأمريكية. فكل زيادة في الاقتراض ترفع حجم الدين، وكل ارتفاع في العوائد يزيد تكلفة خدمة ذلك الدين. ومع تضخم مدفوعات الفائدة يتسع العجز، ما يفرض مزيدًا من الاقتراض، ويضيف معروضًا جديدًا من السندات يعيد الضغط على السوق من جديد.

حجم التحدي أصبح ملموسًا

تسجل الولايات المتحدة عجزًا ماليًا يقارب 6% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى يُعد مرتفعًا بشكل غير معتاد خارج فترات الركود. وهذا يعني أن الحكومة مضطرة إلى مواصلة إصدار السندات، ليس فقط لتمويل الإنفاق الحالي، بل أيضًا لإعادة تمويل الديون القديمة التي استُحقت خلال حقبة الفائدة المنخفضة، والتي تُستبدل اليوم بسندات تحمل عوائد أعلى بكثير.

الولايات المتحدة ليست أمام خطر تعثر وشيك في سداد ديونها، فهي لا تزال تقترض بعملتها الخاصة وتستفيد من مكانة الدولار كعملة احتياط عالمية. لكن معادلة التمويل لم تعد كما كانت. فمع استمرار العجز عند مستويات مرتفعة وازدياد حصة مدفوعات الفائدة من الإنفاق الفيدرالي، أصبحت وزارة الخزانة أكثر حساسية لاستجابة المستثمرين في كل مرة تطرح فيها سندات جديدة في السوق.

United States Federal Government Budget

المصدر: US treasury

لماذا يشكل مستوى 5% نقطة تحول؟

الوصول إلى عائد يقارب 5% على السندات الأمريكية لأجل عشر سنوات لا يعني بالضرورة دخول الأسواق في أزمة، لكنه يغير طريقة تسعير معظم الأصول المالية. فالرهن العقاري يبقى أكثر تكلفة، وتمويل الشركات يصبح أغلى، بينما تواجه أسهم التكنولوجيا ضغوطًا إضافية نتيجة ارتفاع معدل الخصم المستخدم في تقييم الأرباح المستقبلية.

أما شركات الذكاء الاصطناعي، التي تنفق مئات المليارات على البنية التحتية، فقد تجد نفسها أمام تكلفة تمويل أعلى في أكثر مراحل الاستثمار كثافة.

وفي المقابل، قد يستفيد الدولار من اتساع فروق العوائد، لكن إذا كان ارتفاع العوائد ناتجًا عن مخاوف مالية أكثر من كونه انعكاسًا لقوة الاقتصاد، فإن الرسالة التي ترسلها السوق تصبح أكثر تعقيدًا.

Snag_20f90a

المصدر: Bloomberg

ما الذي سيراقبه المستثمرون الآن؟

قد تصبح مزادات سندات الخزانة الأمريكية المقبلة أكثر أهمية من حجم برامج إعادة الشراء نفسها. فإذا ظل الطلب قوياً رغم اقتراب عائد السندات لأجل 10 سنوات من مستوى 5%، فقد يعني ذلك أن السوق بدأ يتأقلم مع مستوى جديد من العوائد طويلة الأجل. أما إذا بدأت المزادات تُظهر ضعفاً في الطلب أو اعتماداً أكبر على استيعاب المتعاملين الرئيسيين للإصدارات الجديدة، فسيصبح من الصعب تجاهل المخاوف المتعلقة بوفرة المعروض من السندات الحكومية.

في المقابل، يزداد دور الاحتياطي الفيدرالي أهمية. فحتى لو رفع الفائدة في الاجتماع المقبل، فإن ذلك سيعزز رواية التضخم على المدى القريب، لكنه لن يضمن بالضرورة تراجع العوائد طويلة الأجل لاحقاً إذا استمرت علاوة الأجل والمخاوف المالية في الارتفاع. ولهذا يراقب المستثمرون عوائد السندات لأجل 10 سنوات و30 سنة معاً، بدلاً من التركيز على سعر الفائدة الرسمي وحده.

عائد الثلاثين عاماً أصبح المؤشر الأوضح

أصبح عائد سندات الخزانة لأجل 30 عاماً يعكس بصورة أوضح حجم التعويض الذي يطالب به المستثمرون لتمويل الدين الأمريكي طويل الأجل. وإذا استقر عائد العشر سنوات فوق 5% لفترة ممتدة، بالتزامن مع تراجع قوة المزادات، فقد تنتقل التساؤلات من اتجاه أسعار الفائدة إلى ما إذا كانت السلطات بحاجة إلى أدوات أخرى للتعامل مع ارتفاع تكاليف الاقتراض.

وهنا يبرز سيناريو يستحق المتابعة. فقد يبدأ الاحتياطي الفيدرالي في الإشارة إلى استعداد أكبر لدعم الطرف الطويل من منحنى العائد عبر سياسات الميزانية العمومية أو برامج موجهة لشراء السندات. وهذا يختلف عن عمليات إعادة الشراء التي تنفذها وزارة الخزانة، والتي تهدف إلى تحسين سيولة السوق لا إلى كبح العوائد.

إذا بدأ النقاش يتحول نحو إجراءات تقترب من Yield Curve Control، فسيكون ذلك مؤشراً على أن تكاليف الاقتراض طويلة الأجل لم تعد مجرد نتيجة لتحركات السوق، بل أصبحت قضية تدخل ضمن أولويات صناع السياسة الاقتصادية.

Copied