هل تفقد إنفيديا ريادتها في الذكاء الاصطناعي؟ ولماذا قد لا تكون المرحلة المقبلة في صالحها؟
ارتبط اسم إنفيديا بثورة الذكاء الاصطناعي أكثر من أي شركة أخرى خلال السنوات الأخيرة. فقد أصبحت وحدات معالجة الرسومات التي تطورها الشركة حجر الأساس في تدريب نماذج اللغة الكبيرة، ما جعلها المزود الأول للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، ودفع قيمتها السوقية إلى مستويات تاريخية. لا تزال إنفيديا المزود المهيمن لرقائق الذكاء الاصطناعي المستخدمة في تدريب نماذج اللغة الكبيرة.

دورة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي تتحول تدريجيًا من بناء النماذج إلى نشرها واستخدامها على نطاق واسع.
بدأ المستثمرون يوسعون استثماراتهم عبر سلسلة توريد أشباه الموصلات بحثًا عن المستفيدين من المرحلة التالية.
لا تزال إنفيديا المزود المهيمن لرقائق الذكاء الاصطناعي المستخدمة في تدريب نماذج اللغة الكبيرة.
سوق الذكاء الاصطناعي يدخل مرحلة جديدة
ركزت الموجة الأولى من الاستثمار في الذكاء الاصطناعي على هدف واضح يتمثل في بناء نماذج لغة أكبر وأكثر تطورًا. وكان تحقيق ذلك يتطلب قدرات حوسبية هائلة، وهو ما منح وحدات معالجة الرسومات من إنفيديا مكانة مهيمنة داخل الصناعة.
ولم يكن هذا التفوق قائمًا على قوة الرقائق وحدها، بل أيضًا على منظومة CUDA البرمجية، وأدوات التطوير المتقدمة، والنظام البيئي الذي بنته الشركة على مدار سنوات، وهو ما جعل من الصعب على المنافسين انتزاع حصة سوقية مؤثرة.
لكن دورة الاستثمار هذه بدأت تدخل مرحلة أكثر نضجًا
فقد خصصت أكبر شركات التكنولوجيا مئات المليارات من الدولارات لبناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، ولم يعد الهدف الرئيسي هو تدريب نماذج أكثر قوة فحسب، بل التركيز على توظيفها في تطبيقات عملية تشمل محركات البحث، وبرامج الإنتاجية، وخدمة العملاء، والحوسبة السحابية، وحلول الشركات.
ويعكس أداء سهم إنفيديا هذا التحول
فقد ارتفع السهم بنحو 12% خلال عام 2026، وهو أداء يتماشى إلى حد كبير مع مكاسب مؤشر ستاندرد آند بروز 500، بعد أن بدأت وتيرة النمو الاستثنائية التي شهدتها الشركة خلال الأعوام الماضية في الاستقرار تدريجيًا.
ورغم أن الطلب على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي لا يزال قويًا، فإن تركيز المستثمرين بدأ يتحول من حجم الإنفاق على الذكاء الاصطناعي إلى سؤال أكثر أهمية: هل تستطيع إنفيديا الحفاظ على معدلات النمو التي تبرر تقييمها المرتفع؟ كما يراقب المستثمرون عن كثب مدى سرعة تحول الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي إلى إيرادات مستدامة وأرباح طويلة الأجل.

المصدر: Alphaspread
أكبر عملاء إنفيديا أصبحوا أكبر منافسيها
لا تزال إنفيديا تحتفظ بمكانة استثنائية داخل منظومة الذكاء الاصطناعي، لكن نجاحها خلق في الوقت نفسه حافزًا قويًا لدى عملائها لتقليل الاعتماد عليها. فشركات الحوسبة السحابية الكبرى تنفق عشرات المليارات من الدولارات سنويًا على رقائق الذكاء الاصطناعي، وأي خفض ولو محدود في هذه التكاليف قد يترجم إلى وفورات ضخمة على المدى الطويل.
ولهذا بدأت هذه الشركات في تطوير معالجاتها الخاصة
فشركة ميتا توسع تطوير رقائق ذكاء اصطناعي مخصصة لتشغيل أعباء العمل الداخلية، بينما تواصل جوجل تطوير معالجات التي تشغل بالفعل جزءًا كبيرًا من خدماتها القائمة على الذكاء الاصطناعي، وأصبحت متاحة بشكل متزايد عبر منصة جوجل السحابية.
أما أمازون، فتسير في الاتجاه نفسه من خلال تطوير رقائق Trainium، لتقديم بدائل لعملائها في عمليات تدريب النماذج وتشغيلها.
ولا يعني ذلك أن هذه المبادرات ستستبدل إنفيديا خلال فترة قصيرة، لكنها تعكس سوقًا أصبحت أكثر تنافسية، مع سعي الشركات إلى تنويع مصادر التوريد، وخفض التكاليف، وتعزيز السيطرة على البنية التحتية طويلة الأجل.
سوق أوسع يفتح الباب أمام مستفيدين جدد
إذا كانت المرحلة الأولى من طفرة الذكاء الاصطناعي قد كافأت الشركات التي وفرت العتاد اللازم لتدريب النماذج، فإن المرحلة التالية قد تمنح فرصًا أكبر لشريحة أوسع من التقنيات، مثل مسرعات الاستدلال (Inference Accelerators) ، وذاكرة النطاق الترددي العالي (HBM)، والبنية التحتية للشبكات، مع انتقال الإنفاق من بناء النماذج إلى تشغيلها على نطاق واسع.
وتُعد AMD أحد أبرز الأمثلة على هذا التحول
فقد واصلت الشركة توسيع محفظة مسرعات الذكاء الاصطناعي، وعززت شراكاتها مع كبرى شركات الحوسبة السحابية، دون أن تكون بحاجة إلى إزاحة إنفيديا عن الصدارة حتى تحقق نموًا قويًا. فإذا نما الإنفاق على عمليات مسرعات الاستدلال بوتيرة أسرع من الإنفاق على تدريب النماذج خلال السنوات المقبلة، فقد تتمكن AMD من الاستحواذ على حصة مؤثرة من هذا السوق المتوسع، مستفيدةً أيضًا من انطلاقها من قاعدة إيرادات أصغر.
ويبدو أن الأسواق بدأت بالفعل في تسعير هذا التحول.
فقد تفوق أداء سهم AMD بشكل ملحوظ على إنفيديا خلال عام 2026، بعدما ارتفع بنحو 131.49%، مقارنة بمكاسب بلغت حوالي 8.88% لسهم إنفيديا. ويشير هذا الأداء إلى أن المستثمرين لم يعودوا يركزون على الشركة المهيمنة وحدها، بل بدأوا يعيدون تقييم شركات أشباه الموصلات التي قد تستفيد بصورة أكبر مع اتساع الإنفاق على الذكاء الاصطناعي ليشمل الاستدلال، ونشر التطبيقات، والحلول المؤسسية، بدلًا من الاقتصار على تدريب النماذج.

المصدر: Alphaspread
رؤوس الأموال بدأت تنتشر عبر سلسلة توريد الذكاء الاصطناعي
في المراحل الأولى من طفرة الذكاء الاصطناعي، كانت إنفيديا تمثل الخيار شبه الوحيد أمام المستثمرين الراغبين في التعرض لهذا القطاع. أما اليوم، فقد بدأت رؤوس الأموال تتجه إلى شركات أخرى تشكل أجزاء أساسية من منظومة الذكاء الاصطناعي.
فقد حظيت شركات تصنيع الذاكرة مثل ميكرون وإس كيه هاينكس باهتمام متزايد مع تسارع الطلب على ذاكرة HBM، بينما تستفيد أيضًا شركات معدات الشبكات، ومصممو الرقائق، وموردو البنية التحتية، مع ازدياد حجم وتعقيد مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي. ويشير ذلك إلى أن المستثمرين لم يعودوا ينظرون إلى الذكاء الاصطناعي من خلال شركة واحدة فقط، بل أصبحوا يبحثون عن الفرص عبر مختلف حلقات سلسلة التوريد.
إنفيديا لا تزال في الصدارة، لكن المنافسة أصبحت أكبر
لا يعني هذا التحول أن إنفيديا فقدت ريادتها. فالشركة لا تزال تمثل المعيار الذي تُقاس به صناعة رقائق الذكاء الاصطناعي، كما أن تفوقها التقني في تدريب النماذج الكبيرة يبدو راسخًا في المستقبل المنظور.
لكن ما قد يتغير هو مصدر العوائد الأكبر للمستثمرين
فمع انتقال الذكاء الاصطناعي من بناء النماذج الأساسية إلى نشرها في مختلف القطاعات الاقتصادية، من المتوقع أن يصبح الإنفاق أكثر تنوعًا، بحيث تستفيد شرائح متعددة من شركات أشباه الموصلات.
ومن المرجح أن تستحوذ مسرعات الاستدلال، والرقائق المخصصة، وذاكرة النطاق الترددي العالي، وتقنيات الشبكات على حصة متزايدة من الإنفاق العالمي على الذكاء الاصطناعي خلال السنوات المقبلة.
وبذلك تصبح قصة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي أكبر من إنفيديا وحدها. فبدلًا من شركة واحدة تستحوذ على معظم المكاسب، قد تشهد المرحلة المقبلة صعود مجموعة أوسع من شركات أشباه الموصلات، مع دخول القطاع مرحلة جديدة من النمو والتوسع.









