هبوط ميكرون: فرصة أم فخ الدورة الحالية؟
أصبحت ميكرون واحدة من أكبر المستفيدين من طفرة الذكاء الاصطناعي. فقد أدى الطلب المتزايد على ذاكرة النطاق الترددي العالي (HBM) المستخدمة في مسرعات الذكاء الاصطناعي إلى تحويل الشركة، التي كانت قبل سنوات قليلة تعاني إحدى أسوأ دورات الهبوط في صناعة أشباه الموصلات، إلى واحدة من أقوى قصص نمو الأرباح في القطاع.

تتداول أسهم ميكرون عند مضاعف ربحية مستقبلية يقارب 5 مرات، ما يجعلها من بين أرخص شركات أشباه الموصلات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
لا يزال الطلب على الذكاء الاصطناعي يدعم مستويات قياسية لأسعار ذاكرة HBM المستخدمة في رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة.
كان قطاع الذاكرة من أكثر قطاعات أشباه الموصلات دورية، حيث غالبًا ما تتبع فترات الأرباح القوية تصحيحات حادة.
لماذا لا تزال ميكرون تُعامل كسهم دوري؟
لم يحظَ قطاع الذاكرة يومًا بالسمعة نفسها التي تتمتع بها بقية قطاعات أشباه الموصلات. فعلى مدار سنوات، اتبعت الصناعة نمطًا متكررًا؛ إذ يرتفع الطلب، فتسارع الشركات إلى توسيع الطاقة الإنتاجية، ثم لا يلبث السوق أن يجد نفسه أمام معروض يفوق احتياجات العملاء.
عندها تبدأ الأسعار في التراجع، وتتقلص الأرباح، ويبتعد المستثمرون مجددًا عن أسهم الذاكرة. ولهذا السبب، نادرًا ما حصلت شركات هذا القطاع على تقييمات مرتفعة، حتى خلال أفضل فترات أرباحها.
وتواجه ميكرون اليوم الشكوك نفسها. فعلى الرغم من تسجيلها أحد أقوى مستويات الأداء المالي في تاريخها، لا يزال السهم يتداول عند تقييم يبدو منخفضًا بصورة لافتة مقارنة بالعديد من الشركات الأخرى المستفيدة من طفرة الذكاء الاصطناعي.
هذه الدورة تبدو مختلفة
الاختلاف هذه المرة أن الطلب يأتي من سوق لم يكن له وجود فعلي قبل سنوات قليلة. فتدريب نماذج اللغة الكبيرة وتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي يتطلبان كميات هائلة من ذاكرة HBM، ما حوّل هذا النوع من الرقائق من منتج يُنظر إليه سابقًا كسلعة تقليدية إلى أحد أكثر المكونات قيمة داخل خوادم الذكاء الاصطناعي.
وعلى عكس الدورات السابقة، لم يعد الطلب يعتمد بشكل رئيسي على الهواتف الذكية أو الكمبيوتر، بل أصبح مدفوعًا بالسباق العالمي لبناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، في وقت لا يزال فيه المعروض محدودًا بينما تتنافس الشركات للحصول على الذاكرة المتقدمة.
وتتوقع معظم التقديرات أن ينمو سوق HBM بنحو 100% خلال عام 2027، وهو ما يعكس سرعة تسارع الطلب. وقد منح ذلك شركات تصنيع الذاكرة ميزة نادرة في الدورات السابقة، وهي قوة تسعيرية حقيقية.

المصدر: Bloomberg
وول ستريت لا تزال غير مقتنعة
يكشف تقييم ميكرون أن المستثمرين ما زالوا يتعاملون بحذر، رغم النتائج المالية القياسية التي حققتها الشركة. ويتداول السهم عند مضاعف ربحية مستقبلية يبلغ نحو خمسة أضعاف فقط، وهو مستوى يرتبط عادةً بالشركات التي تواجه تباطؤًا في النمو، وليس بشركة تستفيد من واحدة من أقوى موجات الاستثمار في الذكاء الاصطناعي عالميًا.
ويعكس هذا الخصم في التقييم تردد الأسواق في افتراض أن الأرباح الحالية ستصبح المستوى الطبيعي الجديد للشركة. فقد اعتاد المستثمرون على رؤية شركات الذاكرة تحقق أرباحًا استثنائية خلال فترات ازدهار السوق، قبل أن تتعرض هوامش الربحية لضغوط مع دخول طاقات إنتاجية جديدة وزيادة المعروض.
ولكي تحصل ميكرون على تقييم أعلى، لن يكون تحقيق ربع مالي قوي آخر كافيًا على الأرجح. فالمستثمرون سيبحثون عن أدلة تؤكد أن الطلب المدفوع بالذكاء الاصطناعي قادر على استيعاب الإنتاج الإضافي، حتى مع توسع شركات تصنيع الذاكرة في زيادة طاقتها الإنتاجية خلال السنوات المقبلة.

المصدر: Companiesmarketcap
بقية القطاع ترسل إشارات متباينة
تشير التحركات الأخيرة في أسهم شركات أشباه الموصلات إلى أن المستثمرين لم يحسموا موقفهم بعد. فما تزال ميكرون تستفيد من الطلب القوي المرتبط بالذكاء الاصطناعي، في حين لا تزال عدة شركات أخرى تتداول دون قممها الأخيرة بفارق كبير.
ويشير ذلك إلى أن المستثمرين يكافئون الشركات التي تستفيد بشكل مباشر من طفرة الذكاء الاصطناعي، بينما يواصلون الحذر تجاه الشركات التي قد تبقى أرباحها معرضة لتقلبات دورة الذاكرة التقليدية. ويبقى السؤال الأهم: هل سيواصل الطلب على الذكاء الاصطناعي النمو بوتيرة أسرع من نمو المعروض؟
لماذا يراقب المستثمرون كوريا الجنوبية أيضًا؟
تحتل كوريا الجنوبية موقعًا محوريًا في صناعة الذاكرة، إذ تهيمن شركات مثل سامسونج وإس كيه هاينكس على جانب كبير من إنتاج رقائق DRAM وHBM عالميًا. ولهذا السبب، غالبًا ما تُعد تحركات السوق في سيؤول مؤشرًا مبكرًا لمعنويات المستثمرين تجاه أسهم الذاكرة قبل افتتاح وول ستريت.
فعندما تتعرض مؤشر KOSPI لموجة بيع قوية، نادرًا ما يقتصر تأثيرها على السوق الكورية. فشركات أشباه الموصلات تشكل وزنًا كبيرًا داخل المؤشر، ما يؤدي إلى انتقال الضغوط عبر الصناديق والمؤشرات المتداولة. وبحلول افتتاح الأسواق الأمريكية، تكون هذه الضغوط قد امتدت في كثير من الأحيان إلى شركات مثل ميكرون، حتى في غياب أي أخبار تخص الشركة نفسها.
ومنذ بلوغه قمته في يونيو، تراجع سهم ميكرون بنحو 41%، وهو هبوط يعكس ليس فقط المخاوف المتعلقة بالشركة، بل أيضًا إعادة تقييم أوسع لأسهم أشباه الموصلات مع اتجاه المستثمرين إلى جني الأرباح عبر سلسلة توريد الذكاء الاصطناعي.

المصدر: Trading View
الفترة المقبلة قد تحسم الجدل
لم ينجح تراجع سهم ميكرون بنسبة 41% منذ يونيو في إنهاء الجدل حول تقييم الشركة. فالمستثمرون المتفائلون يرون أن هذا التراجع جعل واحدة من أقوى قصص الأرباح المرتبطة بالذكاء الاصطناعي أكثر جاذبية من حيث التقييم، في وقت لا يزال فيه الطلب على ذاكرة النطاق الترددي العالي (HBM) يتجاوز المعروض.
في المقابل، ينظر المتحفظون إلى الصورة من زاوية مختلفة. فهم يرون أن شركات الذاكرة بدت قوية في مرات عديدة قرب ذروة الدورة الاقتصادية، قبل أن تتراجع الأرباح والتقييمات بوتيرة أسرع من المتوقع مع بدء تعافي المعروض.
ومن المرجح أن تحمل الفترة المقبلة الإجابة الأكثر وضوحًا
فإذا استمر الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في التوسع، وبقي الطلب على شرائح الذاكرة المتقدمة قويًا، فقد يُنظر إلى التراجع الأخير في سهم ميكرون على أنه فرصة استثمارية ناتجة عن انخفاض التقييم.
أما إذا بدأت أسعار الذاكرة في التراجع مع دخول طاقات إنتاجية جديدة إلى السوق، فقد يخلص المستثمرون إلى أن هذه الدورة كانت أقوى من سابقاتها، لكنها لم تختلف عنها من حيث طبيعة الدورة الاقتصادية لصناعة الذاكرة.









