الذهب يستعيد الدعم مع عودة الطلب من الصناديق وتراجع رهانات رفع الفائدة
يجد الذهب دعمًا جديدًا بعد فترة صعبة ضغطت فيها عوائد السندات الأميركية المرتفعة وقوة الدولار على السوق. وما يتغير الآن ليس عنوانًا واحدًا، بل مزيج من تحسن الطلب الاستثماري، واستمرار مشتريات البنوك المركزية، وتراجع طفيف في توقعات التضخم الأميركية.

استقطبت صناديق الذهب العالمية المتداولة 3 مليارات دولار من التدفقات الداخلة خلال يوليو، بعد شهرين متتاليين من التخارج.
أضاف بنك الشعب الصيني 20 طنًا متريًا من الذهب في يوليو، وهي أكبر مشترياته الشهرية منذ أكتوبر 2023.
تباطأ التضخم الأميركي إلى 3.4% من 3.5%، ما خفض احتمال رفع جديد للفائدة من 50% إلى 36%.
السوق لم يعد يعتمد على مصدر واحد للطلب
أهم ما تغير في سوق الذهب قد يكون أن الدعم يأتي الآن من نوعين مختلفين من المشترين. فقد عادت التدفقات إلى صناديق الذهب المتداولة بعد شهرين من السحوبات، وكانت الصناديق الأوروبية صاحبة الحصة الأكبر من التدفقات البالغة 3 مليارات دولار خلال يوليو.
وقد يبدو الرقم محدودًا مقارنة بحجم أسواق الأسهم العالمية، لكنه يمثل تحولًا مهمًا في تموضع المستثمرين. فخلال النصف الأول من العام، ركز المستثمرون بشكل كبير على التكنولوجيا والأصول عالية المخاطر، مدفوعين بتوقعات خفض الفائدة وقوة النمو المرتبط بالذكاء الاصطناعي.
أما عودة الشراء عبر الصناديق فتشير إلى أن بعض المستثمرين بدأوا إعادة موازنة المحافظ بدلًا من الاستمرار في زيادة المخاطر إلى ما لا نهاية. وتكتسب تدفقات الصناديق أهمية لأنها تعكس غالبًا تغييرات في تخصيص الأصول لدى المؤسسات ومديري الثروات والصناديق متعددة الأصول.
وإذا تحول الاتجاه من التخارج إلى التدفقات الداخلة بشكل مستدام، فقد يصبح ذلك عامل دعم متزايد، خصوصًا إذا ترافق مع استقرار العوائد وضعف الدولار.

المصدر: مجلس الذهب العالمي
الصين ترسل إشارة أقوى
مصدر الدعم الثاني قد يكون أكثر أهمية من الأول. فقد رفع بنك الشعب الصيني مشترياته بمقدار 20 طنًا، ليمدد سلسلة الشراء إلى 21 شهرًا متتاليًا، ويسجل أكبر إضافة شهرية منذ أكتوبر 2023.
وهذا ليس سلوك متداول يستجيب لتقلبات قصيرة الأجل. فمشتريات البنوك المركزية أصبحت خلال السنوات الأخيرة أحد أقوى الأعمدة الهيكلية لسوق الذهب.
والدول التي تواصل زيادة احتياطياتها من الذهب تسعى عادة إلى تنويع الاحتياطيات بعيدًا عن الأصول المقومة بالدولار، وزيادة حصة الأصول التي لا ترتبط مباشرة بالنظام المالي لدولة أخرى. وتكتسب الخطوة الصينية أهمية إضافية لأنها جاءت في وقت كانت فيه أسعار الذهب مرتفعة بالفعل.
فالشراء القوي قرب المستويات المرتفعة يوحي بأن تنويع الاحتياطيات هدف استراتيجي طويل الأجل، وليس فرصة تكتيكية مؤقتة. وهذا فرق مهم، لأن طلب الصناديق قد يتغير سريعًا مع تغير المعنويات، بينما يميل طلب البنوك المركزية إلى الاستمرار حتى خلال فترات التقلب، ما يوفر أرضية أكثر متانة للسوق.
تباطؤ التضخم يمنح الذهب مساحة للتنفس
لم تغير بيانات التضخم الصورة بشكل جذري، إذ تراجع التضخم الرئيسي بشكل طفيف فقط من 3.5% إلى 3.4%. لكن الأسواق تفاعلت لأن القراءة جاءت بعد أسابيع من القلق من أن ارتفاع أسعار الطاقة والمخاطر الجيوسياسية قد يبقي التضخم مرتفعًا.
وقد ساعدت القراءة الأضعف على خفض الاحتمال الضمني لرفع جديد للفائدة من 49% إلى 38%. ويُعد الذهب حساسًا بشكل أكبر لتوقعات الفائدة الحقيقية وليس للتضخم وحده. فإذا اعتقد المستثمرون أن التضخم يتراجع بينما يبقي الفيدرالي الفائدة مرتفعة، ترتفع العوائد الحقيقية ويواجه الذهب ضغوطًا.
أما إذا تراجعت القناعة بحدوث مزيد من التشديد النقدي، فإن العوائد تميل إلى الاستقرار أو الانخفاض، ما يقلل تكلفة الاحتفاظ بأصل لا يدر عائدًا مثل الذهب.

المصدر:CME Group
القراءة الأخيرة ليست انتصارًا نهائيًا على التضخم
في المقابل، لم تنهَر أسعار النفط بل استقرت نسبيًا، كما أن المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بإيران ومضيق هرمز لم تختفِ. وتميل تكاليف الطاقة المرتفعة إلى الانتقال تدريجيًا إلى النقل والتصنيع والخدمات اللوجستية، ثم إلى نطاق أوسع من أسعار المستهلكين.
ولهذا لا تتعامل الأسواق مع تقرير التضخم الأخير على أنه بداية دورة تيسير قوية من الاحتياطي الفيدرالي. فأي ارتفاع جديد في أسعار النفط قد يعيد رفع توقعات التضخم سريعًا، ويعكس جزءًا من التراجع الأخير في رهانات رفع الفائدة.
وبالنسبة للذهب، تبقى العلاقة أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه
فارتفاع النفط قد يدعم الذهب عبر زيادة المخاوف التضخمية وتعزيز الطلب على الملاذات الآمنة خلال فترات التوتر الجيوسياسي. لكن إذا أقنع ارتفاع الطاقة المستثمرين بأن التضخم سيبقى مرتفعًا، فقد تبقى عوائد السندات مرتفعة أيضًا، ما يحد من مكاسب الذهب.
وبعبارة أخرى، لم يعد الذهب يتحرك وفق عامل واحد مهيمن، بل وفق تفاعل أسعار الطاقة وتوقعات التضخم وسياسة الفيدرالي والمخاطر الجيوسياسية، وهذا التوازن هو ما سيحدد الحركة التالية المهمة للسوق.
النظرة الفنية
بعد عدة أسابيع من التداول أسفل خط اتجاه هابط، تمكن الذهب من الاختراق صعودًا واستعادة مستويي 4,303 و4,381 اللذين كانا يمثلان مقاومة سابقة. وما يجعل الحركة أكثر إثارة للاهتمام هو الخلفية الأساسية.
فقد تراجعت أسعار النفط وهدأت التوترات الجيوسياسية بعد تقارير عن اتفاق سلام بين الولايات المتحدة وإيران، وهي عوامل كان يُفترض عادة أن تقلل من دعم الذهب. لكن قوة الذهب رغم ذلك توحي بأن السوق يتحرك الآن بفعل تراجع العوائد الحقيقية، وهدوء توقعات التضخم، وإعادة بناء المراكز بعد تصحيح طويل، أكثر من تحركه بدافع الخوف الجيوسياسي.
ويمثل اختراق خط الاتجاه الهابط قصير الأجل أول إشارة فنية إيجابية، بينما يشير التقدم نحو منطقة 4,390–4,400 إلى أن المشترين بدأوا اختبار منطقة مقاومة أكثر أهمية.
ومع ذلك، لم يتحول الاتجاه الأكبر إلى صاعد بشكل كامل
فالذهب ما يزال يتداول دون المتوسط المتحرك لـ126 فترة قرب 4,512، كما يبقى أسفل خط الاتجاه الهابط الأكبر الممتد من قمة 5,600.
بمعنى آخر، تحسنت البنية قصيرة الأجل، لكن انعكاس الاتجاه متوسط الأجل لم يتأكد بعد. وتبقى المقاومة الفورية عند 4,390–4,400، تليها 4,512 ثم 4,890 التي تمثل الحاجز الصاعد الرئيسي من الانهيار السابق.
أما على الجانب الهابط، فيمثل 4,381 أول دعم، بينما يبقى 4,303 أهم مستوى لاختبار صلاحية الاختراق. وطالما حافظ الذهب على التداول فوق 4,303، فإن الارتداد الحالي يظل صالحًا من الناحية الفنية.
وفي الوقت الحالي، تبدو الحركة أقرب إلى ارتداد قوي داخل هيكل تصحيحي متوسط الأجل، وليس إلى بداية اتجاه صاعد مؤكد. وسيعزز اختراق مستدام فوق 4,400 النظرة الإيجابية، بينما سيحتاج السوق إلى تجاوز 4,512 للإشارة إلى أن انعكاسًا أوسع في الاتجاه بدأ يتشكل فعليًا.

المصدر: TradingView









