تقرير الوظائف الأميركي قد يحسم انقسام الأسواق حول رفع الفائدة في سبتمبر
يصدر تقرير الوظائف الأميركي لشهر أغسطس في لحظة نادرة تكاد فيها الأسواق تنقسم بالتساوي تمامًا حول قرار الفيدرالي في سبتمبر، ما يمنح بيانات التوظيف والبطالة والأجور قدرة كبيرة على تحريك توقعات الفائدة قبل الاجتماع.

تسعّر الأسواق حاليًا احتمالًا يبلغ 50.4% لرفع الفائدة 25 نقطة أساس في سبتمبر، مقابل 49.6% لتثبيتها.
من المتوقع أن يضيف الاقتصاد الأميركي نحو 56 ألف وظيفة في أغسطس بعد تراجع الوظائف بنحو 23 ألفًا في يوليو، مع بقاء البطالة عند 4.1%.
بيانات هذا الأسبوع أرسلت إشارات متضاربة: التوظيف ضعيف، لكن الطلب في قطاع الخدمات وضغوط الأسعار ارتفعا بقوة.
تقرير وظائف قوي قد يعيد احتمالات رفع الفائدة إلى فوق 60%، بينما ستقوي مفاجأة سلبية واضحة حجة تثبيت الفائدة.
تقرير الوظائف يصل بينما توقعات قرار الفيدرالي منقسم
قد يتحول تقرير الوظائف الأميركي يوم الجمعة إلى أهم اختبار قصير الأجل لتوقعات الفائدة، بعدما شهدت تسعيرات اجتماع الاحتياطي الفيدرالي في سبتمبر تحركات حادة خلال الأيام الماضية.
وتمنح العقود الآجلة حاليًا احتمالًا يبلغ نحو 50.4% لرفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس إلى نطاق 3.75%–4.00%، مقابل 49.6% لاحتمال الإبقاء عليها عند 3.50%–3.75%.

المصدر: CME Group
هذا الانقسام شبه الكامل يعكس مدى ارتباك السوق أمام بيانات ترسل رسائل مختلفة في الوقت نفسه.
ففي وقت سابق من الأسبوع، ارتفعت احتمالات رفع الفائدة إلى منتصف نطاق 60% مع استمرار النشاط الاقتصادي وظهور ضغوط سعرية أقوى من المتوقع. لكن هذه التسعيرات تراجعت مجددًا بعدما أشار عضو مجلس الاحتياطي الفيدرالي كريستوفر والر إلى إمكانية دعم تثبيت الفائدة إذا أكدت بيانات التضخم المقبلة أن الضغوط السعرية بدأت في التراجع.
وهكذا يدخل تقرير الوظائف سوقًا لا تملك قناعة واضحة بالاتجاه، ما يجعل أي مفاجأة قوية في التوظيف أو البطالة أو الأجور قادرة على تحريك تسعير سبتمبر بسرعة.
ماذا تتوقع الأسواق من تقرير الوظائف الأميركي؟
تشير التوقعات إلى إضافة الاقتصاد الأميركي نحو 56 ألف وظيفة خلال أغسطس بعد انخفاض الوظائف بنحو 23 ألفًا في يوليو.
ومن المتوقع أن يبقى معدل البطالة عند 4.1%، بينما يُرجح أن يتباطأ نمو متوسط الأجور في الساعة على أساس سنوي إلى 3.0% من 3.2%.

المصدر: بلومبيرغ
ورغم أن رقم الوظائف الرئيسي سيبقى في صدارة الاهتمام، فإن الأسواق ستراقب أيضًا البطالة والأجور والمراجعات على بيانات الأشهر السابقة.
والسبب أن سوق العمل الأميركية قد لا تحتاج اليوم إلى معدلات توظيف مرتفعة كما كانت في السنوات السابقة حتى تحافظ على استقرار البطالة.
وتشير تقديرات إلى أن معدل التوظيف الشهري اللازم للحفاظ على التوازن قد تراجع إلى نطاق يقارب صفر إلى 50 ألف وظيفة، في ظل تباطؤ نمو قوة العمل وانخفاض الهجرة.
وهذا يعني أن إضافة 50 ألف وظيفة اليوم لا تحمل بالضرورة الدلالة السلبية نفسها التي كانت تحملها في دورات اقتصادية سابقة.
بيانات هذا الأسبوع لم تحسم النقاش
المشكلة الأساسية أن البيانات التي سبقت تقرير الوظائف لم تقدم اتجاهًا واضحًا.
فمن جهة، أظهرت بيانات ADP أن القطاع الخاص أضاف 38 ألف وظيفة فقط في أغسطس، أقل من التوقعات البالغة نحو 48 ألفًا. كما خسر قطاع التصنيع 17 ألف وظيفة، بينما تراجع التوظيف في الخدمات المهنية وخدمات الأعمال بنحو 16 ألفًا.
وهذا يعزز فكرة أن الشركات أصبحت أكثر حذرًا في قرارات التوظيف.
كما قدم تقرير JOLTS صورة مشابهة. فقد ارتفع عدد الوظائف الشاغرة قليلًا إلى 7.271 ملايين وظيفة، لكنه بقي دون التوقعات، بينما انخفض التوظيف الفعلي بنحو 278 ألفًا إلى 5.054 ملايين.
في المقابل، تراجعت عمليات التسريح إلى 1.666 مليون فقط، ما يعكس وضعًا غير معتاد في سوق العمل: الشركات لا توظف بقوة، لكنها لا تسرّح العمال أيضًا.
كذلك بقيت طلبات إعانة البطالة الأسبوعية عند مستويات منخفضة جدًا، إذ ارتفعت الطلبات الأولية بصورة طفيفة إلى 206 آلاف طلب، بينما وصلت الطلبات المستمرة إلى 1.779 مليون.
وهذا يرسل رسالة دقيقة: الحصول على وظيفة جديدة أصبح أصعب، لكن موجة التسريح الواسعة لم تبدأ.
بمعنى آخر، سوق العمل تبرد، لكنها لم تنكسر.
الخدمات والأسعار تعطي الفيدرالي سببًا للحذر
إذا كانت بيانات العمل تميل إلى الضعف، فإن إشارات الطلب والتضخم تبدو أكثر تشددًا.
فقد ارتفع مؤشر ISM للخدمات إلى 55.4 في أغسطس من 54.1، متجاوزًا توقعات عند 54.2، بينما قفز مؤشر الطلبات الجديدة إلى 60.9، وهو أعلى مستوى له في ثلاثة أعوام ونصف.
أما الجزء الأكثر أهمية للفيدرالي فكان مؤشر الأسعار المدفوعة، الذي ارتفع إلى 72.6، وهو أعلى مستوى منذ أغسطس 2022.
وظهرت ضغوط مشابهة في قطاع التصنيع. فعلى الرغم من تراجع مؤشر ISM الصناعي إلى 54.6، بقيت أسعار المدخلات مرتفعة عند 71.1.
وهذا يعني أن ضغوط التكلفة لم تعد محصورة في قطاع واحد.
وهنا تظهر معضلة الفيدرالي بوضوح؛ التوظيف يفقد الزخم، لكن الطلب ما يزال قويًا نسبيًا، وضغوط الأسعار لم تختفِ.
كيف يمكن لتقرير NFP أن يغير احتمالات رفع الفائدة؟
السيناريو الأكثر وضوحًا هو تقرير وظائف قوي يتجاوز التوقعات بوضوح.
إذا جاء التوظيف أعلى بكثير من 56 ألفًا، وبقيت البطالة عند 4.1% أو أقل، مع نمو أجور أقوى من المتوقع، فسيحصل المعسكر المتشدد داخل الفيدرالي على حجة قوية للقول إن الاقتصاد ما يزال قادرًا على تحمل المزيد من التشديد.
في هذا السيناريو، قد ترتفع احتمالات رفع الفائدة في سبتمبر سريعًا إلى فوق 60%، وهي المستويات التي شهدتها السوق في وقت سابق من الأسبوع.
وسيتفاعل الطرف القصير من منحنى العائد والدولار بصورة خاصة مع هذه الحركة، لأنهما الأكثر حساسية لإعادة تسعير الفائدة القريبة.
أما التقرير الضعيف فسيؤدي إلى العكس.
فإذا جاءت الوظائف سلبية مجددًا، أو ارتفعت البطالة بوضوح، أو جرى تعديل بيانات الأشهر السابقة نحو الأسفل بصورة كبيرة، فسيصبح من الصعب على الفيدرالي تبرير رفع الفائدة في الوقت الذي يضعف فيه الطلب على العمالة.
وقد تدفع مثل هذه القراءة تسعيرات سبتمبر بقوة نحو سيناريو التثبيت.
الرقم القريب من 56 ألفًا قد لا يحسم شيئًا
السيناريو الأكثر تعقيدًا هو أن يأتي التقرير قريبًا من التوقعات.
إضافة نحو 50 إلى 60 ألف وظيفة، مع بطالة مستقرة وأجور دون مفاجآت كبيرة، قد تترك الأسواق في المكان نفسه تقريبًا.
فمن جهة، سيبقى سوق العمل ضعيفًا مقارنة بالسنوات السابقة. ومن جهة أخرى، لن يكون الضعف كافيًا لإقناع الفيدرالي بأن الاقتصاد دخل مرحلة تستدعي تغييرًا واضحًا في موقفه.
وفي هذه الحالة، من المرجح أن ينتقل التركيز فورًا إلى بيانات التضخم المقبلة.
وهذا مهم لأن مسؤولي الفيدرالي أوضحوا مرارًا أن التضخم هو العامل الحاسم، بينما رفعت بيانات الأسعار في مؤشرات ISM من أهمية تقريري CPI وPPI القادمين.
حتى تقرير وظائف ضعيف قد لا يكون كافيًا لإلغاء رفع الفائدة في سبتمبر إذا جاءت بيانات التضخم أقوى من المتوقع مرة أخرى.
لماذا أصبحت المراجعات والبطالة أهم من الرقم الرئيسي؟
عادة ما تستحوذ الوظائف غير الزراعية على العنوان الرئيسي، لكن المستثمرين في المرحلة الحالية يحتاجون إلى قراءة التقرير بصورة أوسع.
فقد أثبتت الأشهر الماضية أن المراجعات قادرة على تغيير الصورة بصورة كبيرة.
قراءة قوية في الشهر الحالي لا تعني الكثير إذا جرى خفض بيانات الشهرين السابقين بعشرات الآلاف من الوظائف.
كما أن معدل البطالة أصبح أكثر أهمية لأن الاقتصاد قد يكون دخل مرحلة يتباطأ فيها التوظيف من دون أن تبدأ عمليات تسريح واسعة.
إذا ارتفعت البطالة رغم بقاء الوظائف إيجابية، فقد يدل ذلك على أن قدرة الاقتصاد على استيعاب العمالة الجديدة بدأت تضعف.
أما الأجور، فتبقى الحلقة التي تربط سوق العمل بالتضخم.
نمو أجور أعلى من المتوقع سيدعم مخاوف استمرار ضغوط الأسعار، بينما سيوفر تباطؤ واضح فيها مبررًا إضافيًا للفيدرالي للانتظار.
لهذا لن يكون من الحكمة التعامل مع تقرير الجمعة كرقم واحد.
ماذا يعني التقرير للدولار والسندات والذهب؟
حساسية الأسواق ستكون مرتفعة لأن تسعير الفائدة يبدأ من نقطة قريبة جدًا من التعادل.
تقرير قوي سيدفع على الأرجح عوائد سندات الخزانة القصيرة إلى الارتفاع مع إعادة تسعير احتمال الرفع، وقد يدعم الدولار في الوقت نفسه.
وسيتعرض الذهب في هذا السيناريو لضغط من عاملين: ارتفاع العوائد الحقيقية وقوة العملة الأميركية.
أما تقرير ضعيف، فقد يدفع الأسواق إلى استبعاد جزء كبير من احتمالات التشديد، ما سيضغط على العوائد والدولار ويمنح الذهب والأصول الحساسة للفائدة دعمًا مباشرًا.
لكن الأسهم قد تتفاعل بصورة أكثر تعقيدًا.
فالتباطؤ المعتدل في سوق العمل قد يكون إيجابيًا إذا أدى إلى تراجع توقعات رفع الفائدة من دون خلق مخاوف ركود. أما انهيار واضح في التوظيف فقد يخفف ضغط الفائدة لكنه يرفع المخاوف حول النمو والأرباح.
ولهذا قد تكون أفضل نتيجة للأسهم هي سوق عمل تبرد من دون أن تنكسر.
تقرير الوظائف قد يحرك الاحتمالات… لكن التضخم قد يحسم قرار سبتمبر
يأتي تقرير أغسطس في لحظة نادرة تصبح فيها الأسواق شبه منقسمة بالتساوي حول الخطوة المقبلة للفيدرالي.
وهذا يمنح بيانات الوظائف قدرة كبيرة على تحريك توقعات الفائدة فور صدورها، خصوصًا إذا جاءت القراءة بعيدة بصورة واضحة عن التوقعات.
لكن قرار سبتمبر لن يعتمد على معادلة بسيطة تقول إن الوظائف القوية تعني رفعًا والوظائف الضعيفة تعني تثبيتًا.
فالبيانات الأخيرة ترسم اقتصادًا أكثر تعقيدًا؛ التوظيف يتباطأ، بينما يبقى الطلب قويًا وتظل الضغوط السعرية مرتفعة.
تقرير الوظائف قد يحدد يوم الجمعة أي جانب من مستوى 50% ستتحرك إليه احتمالات رفع الفائدة.
أما ما إذا كانت هذه الحركة ستستمر حتى اجتماع 15 و16 سبتمبر، فقد تحسمه بيانات التضخم التي تأتي بعد ذلك.









