الفيدرالي عالق بين النفط والذكاء الاصطناعي وقوة الأرباح مع تعقّد قرار الفائدة
يدخل الاحتياطي الفيدرالي اجتماعه للسياسة النقدية عالقًا بين بيانات تضخم بدأت تهدأ وضغوط متجددة مصدرها النفط والرسوم الجمركية والاستثمار في الذكاء الاصطناعي. وقد رفعت الأسواق لفترة وجيزة احتمال زيادة الفائدة إلى نحو 40%، قبل أن يؤدي هدوء نسبي في الخليج خلال عطلة نهاية الأسبوع إلى تراجع خام برنت دون 90 دولارًا، ما عزز احتمال إبقاء الفائدة دون تغيير إلى أن تتضح الإشارات الاقتصادية.

سعّرت الأسواق مؤخرًا احتمالًا يقترب من 40% لرفع الفيدرالي الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس.
هبط خام برنت دون 90 دولارًا بعدما تجاوز 100 دولار خلال موجة التوتر الأخيرة.
انخفضت طلبات إعانة البطالة الأسبوعية في الولايات المتحدة إلى أدنى مستوى منذ 1969.
ستختبر نتائج آبل وأمازون وميتا ومايكروسوفت ثقة الأسواق في دورة الاستثمار بالذكاء الاصطناعي.
قرار الفيدرالي لم يعد محسومًا
كان من المتوقع في السابق أن يمر اجتماع الاحتياطي الفيدرالي بهدوء ومن دون مفاجآت كبيرة.
فقد أظهر يونيو تباطؤًا في نمو الوظائف وانخفاضًا في التضخم، ما قلص الحاجة الفورية إلى رفع جديد للفائدة. لكن اتجاه الأسواق تغير سريعًا مع تصاعد المواجهة في الخليج وقفز أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل.
وفي إحدى المراحل، وضعت العقود الآجلة للفائدة احتمال رفعها بربع نقطة مئوية قرب 40%.
ثم تراجعت حدة التصعيد خلال عطلة نهاية الأسبوع، ما ساعد خام برنت على الانخفاض دون 90 دولارًا في بداية التعاملات الآسيوية. وخفف ذلك جانبًا من مخاطر التضخم، من دون أن يلغي احتمال تشديد السياسة النقدية.
وهكذا وجد الفيدرالي نفسه أمام ضغوط تدفعه في اتجاهين متعاكسين.
فانخفاض النفط وتباطؤ التضخم يدعمان التريث، بينما تجعل قوة سوق العمل، ومتانة أرباح الشركات، واستمرار الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، من الصعب القول إن أسعار الفائدة الحالية تقيد الاقتصاد بدرجة مفرطة.
النفط يبقى أسرع مخاطر التضخم تغيرًا
كانت أسعار الطاقة المحرك الرئيسي لتبدل توقعات الفائدة خلال الفترة الأخيرة.
فقد أدى تجاوز خام برنت 100 دولار مباشرة إلى زيادة مخاطر ارتفاع التضخم الرئيسي. كما هدد برفع تكاليف النقل والتصنيع والتوزيع، وهي مصروفات قد تنتقل في النهاية إلى المستهلك.
وتصاعد القلق عندما عادت الولايات المتحدة إلى توسيع عملياتها العسكرية، فيما هددت إيران حركة الملاحة عبر مضيق هرمز وباب المندب. وأي اضطراب في باب المندب قد يؤثر أيضًا في الوصول إلى قناة السويس، ما يوسع المخاطر أمام التجارة العالمية وتكاليف الشحن.
لكن هدوء عطلة نهاية الأسبوع عكس جزءًا من تلك الضغوط ودفع برنت دون 90 دولارًا. كما ساهمت تقارير تشير إلى محدودية الذخائر الأميركية المتاحة لتصعيد أكبر في تقليل توقعات اتساع المواجهة على الفور.
ومع ذلك، تبقى سوق النفط شديدة التقلب، بما يمنع الفيدرالي من بناء قراره على افتراض استمرار انخفاض أسعار الطاقة.
بيانات الوظائف تعقّد مبررات خفض الفائدة
ترسل سوق العمل إشارة مختلفة عن الضعف الذي ظهر في بيانات الوظائف لشهر يونيو.
فقد تراجعت طلبات إعانة البطالة الأولية الأسبوعية مؤخرًا إلى أدنى مستوى لها منذ 1969، في إشارة إلى أن الشركات الأميركية ما تزال شديدة التردد في تسريح الموظفين.
وقد تتقلب القراءة الأسبوعية من فترة إلى أخرى، إلا أن الرسالة الأوسع مهمة. فالشركات ربما خفّضت وتيرة التوظيف، لكنها لم تبدأ موجة واسعة من الاستغناء عن العمال.
وهذا الصمود يجعل تبرير خفض الفائدة أكثر صعوبة، خصوصًا مع بقاء التضخم أعلى من مستهدف الاحتياطي الفيدرالي.
فالتراجع الواضح في سوق العمل كان سيقوي مبررات التيسير النقدي. أما استقرار التوظيف، فيمنح صناع السياسة مساحة أكبر للتركيز على التضخم، خاصة إذا بدأت الطاقة أو الرسوم الجمركية في رفع التكاليف مجددًا.
الرسوم الجمركية تعود كمصدر للضغوط السعرية
تضيف السياسة التجارية الأميركية مستوى جديدًا من الغموض.
فقد فُرضت رسوم جمركية جديدة بنسبة 10% على مجموعة من السلع ضمن إجراءات مرتبطة بمكافحة العمل القسري.
وسيتوقف الأثر المباشر على نوعية المنتجات المشمولة، ومدى استعداد الشركات لتحمل الكلفة الإضافية. ومع ذلك، تزيد الرسوم عادة خطر ارتفاع أسعار الواردات، خصوصًا عندما تواجه الشركات أصلًا تكاليف أعلى للطاقة والشحن.
وهذا يضع الفيدرالي أمام معادلة صعبة.
فقد يتجاوز صناع السياسة أثر صدمة نفطية قصيرة الأجل. أما تحرك الرسوم الجمركية والطاقة والطلب القوي في اتجاه تضخمي واحد، فيجعل استمرار الانتظار أكثر صعوبة.
رهانات الذكاء الاصطناعي تدخل مرحلة جديدة
تشهد سوق الذكاء الاصطناعي بدورها تحولًا مهمًا.
فخلال السنوات التي أعقبت إطلاق ChatGPT، كافأت الأسواق شركات التكنولوجيا الكبرى التي أنفقت بكثافة بهدف السيطرة على الصناعة الجديدة. واستفادت أمازون وألفابت وميتا ومايكروسوفت وأوراكل من التوقعات بأن الذكاء الاصطناعي سيغير الحوسبة السحابية والإعلانات والبرمجيات والإنتاجية.
وخلال العام الماضي، انتقلت الحماسة الأكبر إلى شركات أشباه الموصلات وغيرها من الموردين الذين يوفرون البنية التحتية اللازمة لبناء أنظمة الذكاء الاصطناعي.
أما الآن، فقد بدأت الأسواق تعيد فحص هذه العلاقة.
فبعد إعلان ألفابت إيرادات وأرباحًا تجاوزت التوقعات، كشفت الشركة أيضًا عن زيادة إضافية في الإنفاق الرأسمالي. وبدل التركيز على نمو الأعمال، اتجه المستثمرون إلى كلفة بناء بنية الذكاء الاصطناعي.
ومنذ ذلك الحين، تعرضت شركات الحوسبة السحابية العملاقة وموردو أشباه الموصلات للضغط في الوقت نفسه.
المستثمرون يريدون دليلًا على جدوى إنفاق الذكاء الاصطناعي
بدأت الأسواق تتساءل عما إذا كانت شركات التكنولوجيا ستنفذ فعلًا جميع خطط الإنفاق الرأسمالي الضخمة التي أعلنتها.
فإذا خفضت شركات الحوسبة السحابية استثماراتها، فقد يفقد مصنعو أشباه الموصلات وموردو البنية التحتية جزءًا من الطلب الذي دعم تقييماتهم. وإذا استمر الإنفاق، فستحتاج شركات التكنولوجيا الكبرى إلى إثبات قدرة إيرادات الذكاء الاصطناعي على النمو بالسرعة الكافية لتحقيق عوائد جذابة.
ولا يعني ذلك أن دورة الذكاء الاصطناعي وصلت إلى نهايتها.
فآبل وأمازون وميتا ومايكروسوفت تستعد لإعلان نتائجها، ما سيقدم للمستثمرين صورة أوضح عن الإنفاق على مراكز البيانات، والطلب على الخدمات السحابية، وتحويل الذكاء الاصطناعي إلى إيرادات، وأثر ذلك في التدفقات النقدية الحرة.
لكن السوق لم تعد تتعامل مع كل زيادة في الإنفاق على الذكاء الاصطناعي باعتبارها إشارة إيجابية تلقائيًا.
وستعتمد المرحلة التالية على قدرة الشركات على إثبات أن هذه الاستثمارات تولد نموًا مستدامًا في الإيرادات والأرباح.
قوة أرباح الشركات تضعف مبررات التحفيز
ما تزال أرباح الشركات قوية بصورة لافتة رغم المخاوف المرتبطة بإنفاق الذكاء الاصطناعي وارتفاع أسعار الفائدة.
وتواصل توقعات أرباح السهم للربع الثاني ضمن مؤشر S&P 500 الارتفاع، ما يشير إلى أن الشركات الأميركية لا تظهر حاجة ملحّة إلى دعم نقدي.
وهذا مهم بالنسبة إلى الفيدرالي.
فإذا ظلت الأرباح قوية، والتوظيف مستقرًا، والاستثمار مرتفعًا، فقد لا تكون أسعار الفائدة الحالية مقيدة بما يكفي لإحداث تباطؤ اقتصادي واضح.
كما تتحدى قوة الأرباح الحجة القائلة إن الفيدرالي يحتاج إلى خفض الفائدة لحماية النمو.
وفي المقابل، قد يؤدي رفع الفائدة استنادًا إلى تقلب مؤقت في النفط إلى أضرار اقتصادية غير ضرورية إذا واصلت أسعار الطاقة التراجع.
ويفسر هذا التوتر سبب بقاء تثبيت الفائدة السيناريو الأكثر ترجيحًا.
الذكاء الاصطناعي يرسل إشارات تضخمية متضاربة
يزيد الذكاء الاصطناعي أيضًا تعقيد الإطار الاقتصادي الذي يعمل من خلاله الفيدرالي.
تقوم الرؤية طويلة الأجل على أن الذكاء الاصطناعي سيرفع الإنتاجية ويخفض التكاليف، ويتحول بمرور الوقت إلى قوة تقلل التضخم.
أما الواقع القريب فقد يسير بصورة مختلفة.
فبناء مراكز البيانات، ومصانع أشباه الموصلات، والبنية التحتية للطاقة، يحتاج إلى استثمارات هائلة. ويزيد هذا الإنفاق الطلب على الكهرباء، والإنشاءات، والمعدات المتخصصة، والعمالة ذات المهارات المرتفعة.
لهذا قد يكون الذكاء الاصطناعي مصدرًا للضغوط التضخمية خلال مرحلة البناء، ثم يصبح عاملًا مخفضًا للأسعار عندما تنتشر مكاسب الإنتاجية داخل الاقتصاد.
والأسواق تعيد الآن تقييم جانبي هذه الفرضية. فالمستثمرون أقل ثقة في قدرة الإنفاق الرأسمالي على تحقيق عائد كافٍ، فيما لا يستطيع صناع السياسة تحديد موعد ظهور مكاسب الإنتاجية الموعودة.
أهداف ترامب المفضلة للأسواق تبتعد
تتحرك التطورات الأخيرة أيضًا بعكس الأهداف الرئيسية التي تفضلها إدارة ترامب في الأسواق.
فالإدارة تريد دولارًا أضعف، وعوائد أقل على سندات الخزانة، ونفطًا أرخص، وأسعار أسهم أقوى.
لكن التصعيد في الخليج دفع هذه الأهداف في الاتجاه المعاكس. فقد ارتفع النفط، وتصاعد القلق من التضخم، وتعرضت عوائد السندات لضغوط صعودية، وضعفت أسهم التكنولوجيا.
وقد يعكس الهدوء الجيوسياسي جزءًا من هذه التحركات. إلا أن التغير المتكرر في السياسة الأميركية جعل تسعير مسار مستقر للطاقة والفائدة والأصول الخطرة أكثر صعوبة.
ويتوجب على الفيدرالي اتخاذ قراره وسط هذه الخلفية المضطربة، من دون أن يبدو وكأنه يستجيب مباشرة للضغوط السياسية.
لماذا قد يفضل الفيدرالي تثبيت الفائدة؟
رغم عودة النقاش حول رفع الفائدة، قد يرى الفيدرالي أن الأدلة ما تزال متباينة أكثر من أن تبرر تحركًا فوريًا.
فقد عاد النفط دون 90 دولارًا بعد تجاوزه 100 دولار، وجاء تضخم يونيو أضعف، كما تباطأ نمو الوظائف رغم بقاء عمليات التسريح محدودة. وتدعم استثمارات الذكاء الاصطناعي النشاط، لكن الشكوك تتزايد بشأن المدة التي تستطيع فيها هذه الطفرة الاستمرار.
وقد يتضح أن رفع الفائدة لم يكن ضروريًا إذا استمر النفط في التراجع.
وفي الوقت نفسه، سيكون خفض الفائدة صعب التبرير مع قوة الأرباح، وانخفاض طلبات إعانة البطالة، وبقاء التضخم فوق المستهدف.
ويمنح التثبيت صناع السياسة مزيدًا من الوقت لتحديد ما إذا كان صراع الخليج سينتج صدمة طاقة مستمرة، وما إذا كان الاستثمار في الذكاء الاصطناعي سيواصل دعم الطلب.









