إعادة فتح هرمز تغرق سوق النفط بالإمدادات مع محو برنت كل مكاسب الحرب
انتقلت أسواق النفط سريعًا من الخوف من نقص الإمدادات إلى ظهور علامات فائض واضح بعد إعادة فتح مضيق هرمز. فموجة الشحنات الخارجة من الخليج تضغط على الأسعار في آسيا وأوروبا، بينما محا خام برنت كل المكاسب التي حققها منذ اندلاع الحرب مع إيران.

خام برنت محا كل مكاسبه منذ بداية الحرب مع إيران.
خام أنغولا جرى تداوله بخصومات قاربت 10 دولارات للبرميل دون خام برنت المؤرخ.
إيران شحنت 30 مليون برميل إلى آسيا قبل حصولها على رخصة بيع لمدة 60 يومًا.
الإمارات باعت مؤخرًا نحو 60 مليون برميل من خام الخليج عبر مناقصات.
سوق النفط تنتقل من الخوف من النقص إلى ضغط فائض المعروض
أعادت عودة الملاحة عبر مضيق هرمز رسم صورة سوق النفط العالمية في وقت قياسي.
قبل أسابيع فقط، كان المتعاملون يركزون على خطر انقطاع الإمدادات، وتهديدات الناقلات، واحتمال أن تؤدي الحرب مع إيران إلى خنق أحد أهم شرايين الطاقة في العالم. اليوم، المشهد انقلب. أجزاء أساسية من السوق الفعلية للخام تواجه تدفقًا أكبر من المطلوب، بعدما بدأت الشحنات المحتجزة في الخليج تعود إلى حركة التجارة العالمية.
هذا التحول بات واضحًا في أوروبا وآسيا. المشترون يتلقون عروضًا أكثر مما يحتاجون، وبعض الخامات تُباع بخصومات حادة، والمؤشرات المرجعية الكبرى بدأت ترسل إشارات سلبية. خام برنت محا بالفعل كل المكاسب التي سجلها منذ اندلاع الحرب، في انعكاس حاد بعد موجة الشراء المحمومة التي دفعت الأسعار إلى الصعود خلال ذروة التوتر.

المصدر: بلومبيرغ
إعادة فتح هرمز أطلقت موجة جديدة من الخام
الضغط الحالي على الأسعار لم يظهر من فراغ.
حتى قبل الاتفاق الأميركي الإيراني على إعادة فتح الممر البحري، كانت عدة عوامل قد بدأت ترخي قبضة السوق. فقد ساعدت السحوبات من المخزونات الاستراتيجية، وضعف الطلب الصيني، وتدفقات بعض الناقلات التي خرجت بهدوء من الخليج، في تقليص حدة النقص السابق.
لكن إعادة الفتح سرعت كل ذلك بقوة.
ملايين البراميل التي كانت مؤجلة أو محجوزة أو أُعيد توجيهها عادت الآن إلى السوق دفعة واحدة. إيران شحنت 30 مليون برميل إلى آسيا في الأيام التي سبقت إصدار الولايات المتحدة رخصة مدتها 60 يومًا تسمح ببيع النفط الإيراني في السوق الدولية. وفي الوقت نفسه، بدأت الشركات التي كانت تتجنب المرور عبر المضيق في إخراج البراميل العالقة.
الإمارات أيضًا كانت جزءًا رئيسيًا من موجة الإمدادات. ففي الأسابيع الأخيرة، باعت نحو 60 مليون برميل من الخام المنتج داخل الخليج عبر سلسلة من المناقصات للأشهر المقبلة. وكل عملية بيع جديدة أضافت مزيدًا من الضغط على أسعار خامات الشرق الأوسط.
خام أنغولا يكشف حجم الضعف في السوق
أوضح الإشارات على فائض المعروض ظهرت في خام أنغولا.
فالخام الأنغولي، الذي غالبًا ما تشتريه المصافي الصينية، جرى بيعه عند أعمق خصومات منذ أكثر من عشر سنوات. وفي بعض الحالات، بيعت بعض الشحنات بخصم اقترب من 10 دولارات للبرميل مقارنة بخام برنت المؤرخ.
وهذا مهم لأن خام أنغولا من الخامات المتوسطة، ويشبه في بعض خصائصه البراميل التي تتدفق الآن بكثافة من الخليج. وعندما تكون المصافي الآسيوية مشبعة أصلًا، فإن أي شحنات إضافية من الشرق الأوسط تضغط مباشرة على الخامات المنافسة.
كما أن هذا الضعف يعكس تحولًا حادًا في حركة التجارة. بعض المصافي الصينية عرضت شحنات نفط للبيع، في خطوة نادرة مقارنة بالنمط المعتاد الذي تمتص فيه الصين كميات كبيرة من السوق العالمية.
وهذا يعني أن الطلب الصيني تباطأ إلى درجة جعلت ما كان يُنظر إليه سابقًا على أنه سوق مشدودة يتحول إلى فائض ظاهر للعين.
برنت وخامات الشرق الأوسط يرسلان إشارات هبوطية
هيكل السوق نفسه تغير بوضوح.
فقد تحولت خامات الشرق الأوسط إلى حالة كونتانغو منذ منتصف الشهر، وهي بنية هبوطية تعني أن الخام للتسليم الفوري أصبح أرخص من الخام للتسليم الآجل. وعادة ما تعكس هذه الحالة إما ضعفًا في الطلب القريب أو وفرة زائدة في الإمدادات الفورية.
المرجع العالمي برنت تحرك في الاتجاه نفسه، إذ انقلب هو الآخر إلى بنية أضعف يوم الأربعاء. وبعدها بيوم، كانت الأسعار المرجعية قد محَت كل المكاسب التي تحققت منذ بداية الحرب مع إيران.
هذا تحول دراماتيكي مقارنة ببداية أبريل، حين قفز خام برنت المؤرخ فوق 140 دولارًا للبرميل مسجلًا مستوى قياسيًا مع اندفاع المصافي لتأمين الإمدادات خلال الحرب. ومنذ ذلك الحين، فقد المرجع نحو نصف تلك المكاسب، وعاد تقريبًا إلى المستويات التي كان عليها قبل اندلاع الصراع.
السرعة التي حدث بها هذا الانعكاس تعطي درسًا واضحًا: علاوة المخاطر الجيوسياسية يمكن أن تتبخر سريعًا حين تبدأ الإمدادات الفعلية بالتحرك من جديد.
آسيا تبدو مشبعة بالإمدادات بالفعل
نقطة الضغط الأساسية الآن هي آسيا.
فالمصافي الآسيوية اندفعت بقوة إلى الشراء خلال ذروة اضطراب هرمز، وبنت غطاءً إمداديًا واسعًا تحسبًا لتفاقم الصراع. أما الآن، وبعد أن أعيد فتح المضيق وبدأت الشحنات تتحرك مجددًا، لم يعد هؤلاء المشترون في عجلة لالتقاط مزيد من البراميل.
عدد من المصافي الآسيوية أصبح مغطى بالإمدادات حتى أغسطس بالفعل. وهذا يعني أن عدد المشترين المتاحين للشحنات الفورية الخارجة الآن من الخليج أصبح أقل بكثير.
والضعف لا يقتصر على منطقة واحدة. فملايين البراميل التي كانت ستذهب عادة إلى آسيا بدأت تتجه إلى أوروبا. وهناك ما لا يقل عن ست ناقلات عملاقة تحمل في مجموعها 12 مليون برميل من خام الإمارات وعُمان يُنتظر أن تصل إلى أوروبا الشهر المقبل.
كما أن مصفاة دانغوتي النيجيرية اشترت خامًا إماراتيًا للمرة الأولى، في إشارة إلى أن منتجي الخليج بدأوا يبحثون عن منافذ جديدة مع تراجع الطلب الآسيوي التقليدي.
قصة فائض المعروض كانت تتشكل قبل اتفاق السلام
الاتفاق الأميركي الإيراني سرّع هذا الضعف، لكنه لم يكن السبب الوحيد.
السحوبات من المخزونات الاستراتيجية ساعدت في تغطية النقص خلال فترة الاضطراب. كما أن بعض الناقلات واصلت التحرك بهدوء عبر الخليج أثناء الحرب، بما في ذلك شحنات من الإمارات والكويت. وكانت صادرات الإمارات قد عادت بالفعل إلى نحو 85% من مستويات ما قبل الحرب بحلول أوائل يونيو، أي قبل إعادة فتح المضيق بشكل أكثر وضوحًا.
هذا يعني أن السوق كانت تحل مشكلة الإمدادات تدريجيًّا حتى قبل الاتفاق الرسمي. إعادة الفتح جعلت الفائض أكثر وضوحًا فقط.
وبحلول توقيع الاتفاق، كان بعض المتعاملين في الشحنات المعقدة والمكلفة التي تتحرك في الظل قد بدأوا أصلًا في التراجع، لأن تلك البراميل لم تعد مطلوبة كما كانت من قبل.
انخفاض المخزونات يحد من مساحة الهبوط
ورغم موجة المعروض الحالية، فإن سوق النفط ليست في وضع مريح بالكامل.
المخزونات ما تزال منخفضة في مناطق مهمة. فمخزونات الخام الأميركية، بما فيها الاحتياطي الاستراتيجي، عند أدنى مستوياتها منذ 1984. كما أن المخزونات في كاشينغ، مركز التسعير الرئيسي في الولايات المتحدة، تقترب من الحدود التشغيلية الدنيا.
هذا ما أبقى الخام الأميركي أقوى نسبيًّا مقارنة ببعض مناطق العالم الأخرى، وقلّص الحاجة إلى الصادرات الأميركية. كما يعني أن السوق ستبقى حساسة لأي اضطراب جديد، سواء جاء من التوترات الجيوسياسية، أو الأعاصير، أو اختناقات الشحن، أو طلب غير متوقع من المصافي.
وهناك نقطة أخرى لا تقل أهمية: جزء كبير من الاستقرار الأخير جاء بفضل السحب من المخزونات. هذه البراميل ستحتاج في مرحلة لاحقة إلى إعادة تعويض. وإذا بدأت عمليات إعادة بناء المخزون، فقد تستوعب جزءًا من فائض المعروض الحالي، خاصة إذا انخفضت الأسعار إلى مستويات تشجع على الشراء الاستراتيجي.
تحذير وكالة الطاقة الدولية من الفائض يعود إلى الواجهة
ضعف الأسعار الأخير أعاد أيضًا إلى السطح مخاوف كانت موجودة أصلًا قبل الحرب مع إيران: احتمال دخول السوق في فائض كبير من الإمدادات.
وكالة الطاقة الدولية كانت قد توقعت أصلًا فائضًا واسعًا في 2027. هذا السيناريو تراجع إلى الخلفية عندما انشغلت السوق باضطراب هرمز ومخاطر الحرب. أما الآن، ومع عودة طرق الإمداد وتراجع الأسعار، بدأت قصة الفائض تعود مجددًا إلى قلب النقاش.
إذا استمر ضعف الطلب من الصين، واستمر تدفق خام الشرق الأوسط بصورة طبيعية، ولم تكن المخزونات قادرة على امتصاص ما يكفي من البراميل، فقد تظل سوق النفط تحت الضغط لفترة أطول.
السؤال الأساسي الآن هو ما إذا كان فائض المعروض الحالي مؤقتًا، سببه خروج البراميل العالقة دفعة واحدة، أم أنه بداية لاختلال أعمق بين العرض والطلب.









