عوائد السندات الأميركية تواجه اختبار الطلب الأجنبي مع تراجع انكشاف الصين واليابان

تقلص الصين واليابان جزءًا من انكشافهما على سندات الخزانة الأميركية، ما يطرح سؤالًا أكبر أمام الأسواق: من سيمتص الزيادة المستمرة في إصدارات الدين الأميركي إذا تراجع دور اثنين من أكبر المشترين الأجانب؟

بواسطة Ahmed Azzam | @3zzamous

US Treasury yields face a foreign demand test as China and Japan cut exposure
  • يحذر راي داليو من أن ضعف الطلب على سندات الخزانة من الصين واليابان قد يتحول إلى نقطة ضعف رئيسية في سوق الدين الأميركي.

  • يتحرك عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات قرب 5.3%، بالقرب من مستويات لم تشهدها السوق منذ 2002.

  • تراجعت حيازات اليابان من سندات الخزانة بنحو 12.8 مليار دولار في يوليو إلى قرابة 1.1 تريليون دولار، بالتزامن جزئيًا مع تدخل لدعم الين.

  • انخفضت الحيازات المعلنة للصين من نحو 1.3 تريليون دولار في 2013 إلى قرابة 618 مليار دولار، رغم احتمال الاحتفاظ بجزء من الانكشاف الصيني عبر مراكز حفظ خارج الصين.

  • يرى داليو أن الولايات المتحدة قد تواجه أزمة ديون خلال ثلاث سنوات إذا استمرت احتياجات الاقتراض في النمو بوتيرة أسرع من الطلب.

المشكلة المقبلة في سوق السندات الأميركية قد تكون: من سيشتري الدين؟

لم يعد ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية مرتبطًا فقط بالتضخم أو قرارات الاحتياطي الفيدرالي، إذ أصبحت السوق تركز بصورة أكبر على حجم المعروض من الدين، ومصداقية السياسة المالية، والعائد الذي سيطلبه المستثمرون لتمويل عبء حكومي يتوسع بسرعة.

ويضيف راي داليو خطرًا آخر إلى هذه المعادلة: اثنان من أهم الدائنين الأجانب للولايات المتحدة قد لا تكون لديهما الشهية نفسها لمواصلة زيادة حيازاتهما من الدين الأميركي. ما تزال اليابان أكبر حامل أجنبي لسندات الخزانة، بينما تبقى الصين من أكبر المالكين رغم سنوات من التراجع المستمر في الحيازات المعلنة.

ولعب البلدان تاريخيًا دورًا مهمًا في توفير قاعدة عميقة من الطلب على الدين الأميركي، ما ساعد واشنطن على تمويل عجزها المالي وعجز الحساب الجاري. وتزداد أهمية هذا الدور الآن مع تحرك عائد السندات الأميركية لأجل عشر سنوات قرب 5.3% وبدء المستثمرين في التساؤل عن حجم العائد الإضافي الذي ستحتاج إليه السوق لاستيعاب الإصدارات المقبلة.

ولا يحتاج الخطر إلى عملية بيع جماعية ومفاجئة من الصين أو اليابان حتى يظهر أثره. فمجرد تباطؤ إعادة الاستثمار أو خفض المخصصات تدريجيًا أو تحويل مزيد من الأموال إلى الأصول المحلية يعني أن وزارة الخزانة الأميركية ستحتاج إلى مشترين آخرين، وهؤلاء قد يطالبون بعائد أعلى.

لماذا تغير الطلب الصيني على سندات الخزانة الأميركية؟

تراجعت الحيازات المعلنة للصين بصورة كبيرة مقارنة بذروتها. فقد بلغت حيازات البر الرئيسي الصيني نحو 1.3 تريليون دولار في 2013، بينما انخفض الرقم المعلن بحلول يوليو 2026 إلى نحو 618 مليار دولار.

لكن هذه الأرقام لا ينبغي قراءتها بصورة حرفية بالكامل، لأن جزءًا من حيازات الصين قد يكون مسجلًا عبر جهات حفظ في مراكز مالية أخرى بدل ظهوره مباشرة تحت اسم الصين. وتبرز بلجيكا بصورة خاصة في هذا النقاش، إذ بلغت الحيازات المنسوبة إليها مؤخرًا نحو 470.7 مليار دولار، ويرى محللون منذ فترة طويلة أن جزءًا منها قد يمثل أصولًا صينية محتفظًا بها عبر حسابات حفظ.

ولهذا يبقى الحجم الدقيق للانكشاف الصيني غير واضح، لكن الاتجاه العام أكثر وضوحًا: الصين لم تعد مستعدة لتراكم الدين الحكومي الأميركي بالحجم الذي شهدته الأسواق خلال العقد الأول من الألفية وبداية العقد التالي.

وتوجد أسباب اقتصادية وجيوسياسية لهذا التحول. فقد سعت بكين إلى تنويع احتياطياتها، بينما جعلت العلاقة المتوترة بصورة متزايدة مع واشنطن مسألة الاحتفاظ بحجم ضخم من ديون منافس استراتيجي أكثر حساسية من السابق.

الصين لا تحتاج إلى البيع بقوة حتى تؤثر في العوائد

من أكثر التصورات الخاطئة شيوعًا الاعتقاد بأن تأثير الصين على سوق الخزانة يتطلب تصفية ضخمة ومفاجئة للسندات، بينما يمكن لتغير أكثر هدوءًا أن يكون كافيًا.

وزارة الخزانة الأميركية تعيد تمويل ديون قائمة باستمرار، وفي الوقت نفسه تصدر سندات جديدة لتمويل العجز. وهذا يعني أن واشنطن تحتاج إلى تدفق متواصل من الطلب، وليس فقط إلى مستثمرين مستعدين للاحتفاظ بما لديهم حتى الاستحقاق.

إذا اكتفت الصين بالتوقف عن زيادة انكشافها بينما يواصل المعروض من سندات الخزانة الارتفاع، فسيتعين على أطراف أخرى استيعاب الفارق. وقد تشمل هذه الأطراف الأسر الأميركية والبنوك وصناديق التقاعد ومديري الأصول وصناديق التحوط ومستثمرين أجانب آخرين.

لكن هذه الفئات أكثر حساسية للسعر من البنوك المركزية ومديري الاحتياطيات. فالبنك المركزي قد يشتري سندات الخزانة لأنه يحتاج إلى أصول دولارية سائلة، بينما سيسأل المستثمر الخاص ما إذا كان عائد 5% أو 5.3% أو 5.5% يعوضه بالشكل الكافي عن مخاطر التضخم والمالية العامة والمدة.

وهذا الفارق أساسي، لأن تراجع الطلب المدفوع باحتياجات الاحتياطيات قد يؤدي إلى ارتفاع العائد المطلوب لتحقيق توازن السوق حتى من دون حدوث إضراب فعلي من المشترين الأجانب.

اليابان تمثل نوعًا مختلفًا من المخاطر

تختلف علاقة اليابان بسندات الخزانة الأميركية جذريًا عن الصين. فطوكيو حليف وثيق للولايات المتحدة، وتبقى أكبر حامل أجنبي للدين الحكومي الأميركي، مع حيازات تقارب 1.1 تريليون دولار في يوليو.

لكن الحيازات اليابانية انخفضت بنحو 12.8 مليار دولار خلال الشهر نفسه، الذي شهد أيضًا تدخل السلطات اليابانية لدعم الين. وأشارت بيانات الاحتياطيات الأخيرة إلى أن اليابان باعت على الأرجح جزءًا من محفظتها من الأوراق المالية الأجنبية لتمويل عمليات التدخل.

وهنا تظهر علاقة مهمة بين زوج الدولار مقابل الين وسوق سندات الخزانة الأميركية. فعندما تشتري اليابان الين في سوق الصرف، تحتاج إلى دولارات أو عملات أجنبية أخرى لتنفيذ العملية، ويمكن أن تحصل على هذه السيولة من خلال بيع جزء من أصول الاحتياطيات، بما في ذلك سندات الخزانة الأميركية.

إذا أجبر ضعف الين السلطات اليابانية على التدخل مرارًا، فقد تصبح حيازات السندات الأميركية مصدر تمويل مرة أخرى. ولهذا فالمشكلة اليابانية لا ترتبط بعداء سياسي تجاه الدين الأميركي، وإنما بتغير الظروف الاقتصادية المحلية.

ارتفاع العوائد اليابانية يقلل جاذبية السندات الأميركية

يغير بنك اليابان أيضًا المعادلة بالنسبة إلى الاستثمار الخارجي. فقد ارتفعت أسعار الفائدة والعوائد المحلية مع تطبيع السياسة النقدية، وهو ما منح البنوك وشركات التأمين وصناديق التقاعد اليابانية بدائل محلية لم تكن متاحة طوال معظم العقدين الماضيين.

عندما كانت السندات الحكومية اليابانية تقدم عوائد شديدة الانخفاض أو سالبة، امتلكت المؤسسات حافزًا قويًا للبحث عن الدخل في الخارج. ومع ارتفاع العائد المحلي، تصبح تلك الصفقة أقل جاذبية.

وتلعب تكاليف التحوط من العملات دورًا مهمًا أيضًا. فالمستثمر الياباني الذي يشتري سندات أميركية لا يقارن فقط العائد الأميركي المعلن بعائد السندات اليابانية، وإنما يجب أن يأخذ في الاعتبار تكلفة التحوط من الدولار وإعادة العائد إلى الين.

ومع ارتفاع الفائدة اليابانية وبقاء أسواق العملات متقلبة، يمكن أن تتغير جدوى مخصصات الدخل الثابت الخارجية بصورة كبيرة. ولهذا قد يضعف الطلب الياباني على سندات الخزانة حتى من دون قرار حكومي متعمد بخفض الحيازات، إذ يمكن أن تحدث إعادة رأس المال إلى الداخل ببساطة لأن العائد المحلي أصبح منافسًا مرة أخرى.

لماذا يمثل عائد 5.3% على السندات لأجل عشر سنوات إشارة مهمة؟

العائد قرب 5.3% ليس مجرد مستوى نفسي مرتفع، وإنما يعكس أن المستثمرين يطلبون تعويضًا أكبر بكثير للاحتفاظ بالدين الحكومي الأميركي طويل الأجل.

تتضافر عدة عوامل وراء ذلك. فالتضخم ما يزال مرتفعًا، واحتياجات الاقتراض الفيدرالية ضخمة، كما يتعين على وزارة الخزانة إعادة تمويل كمية هائلة من الدين القائم بالتزامن مع إصدار سندات جديدة لتمويل العجز. وفي الوقت نفسه، أصبح الطلب الرسمي الأجنبي أقل تلقائية، بينما يلعب المستثمر الخاص دورًا متزايدًا باعتباره المشتري الهامشي للسندات.

هذه الظروف تدفع علاوة الأجل إلى الارتفاع، وهي نقطة مهمة لأن عوائد سندات الخزانة طويلة الأجل تؤثر في تكاليف الاقتراض داخل الاقتصاد بأكمله. فمعدلات الرهن العقاري وديون الشركات وتمويل البنية التحتية وغيرها من أشكال الائتمان ترتبط بدرجات مختلفة بالعوائد الحكومية.

ولهذا يستطيع ارتفاع عوائد الخزانة تشديد الأوضاع المالية حتى إذا لم يرفع الاحتياطي الفيدرالي الفائدة مرة أخرى.

الخطر الحقيقي هو تكلفة إيجاد المشترين أكثر من خطر التخلف عن السداد

عند سماع عبارة «أزمة الدين الأميركي»، يكون التخلف عن السداد أول ما يتبادر إلى الذهن، لكن هذا ليس السيناريو الأكثر فائدة لفهم الخطر الحالي. فالولايات المتحدة تقترض بعملتها الخاصة وتتمتع بقدرة مالية ونقدية استثنائية.

المشكلة الأكثر واقعية بالنسبة إلى الأسواق هي أن تمويل الدين قد يصبح أكثر تكلفة بصورة متزايدة. فإذا طالب المستثمرون بعوائد أعلى لاستيعاب الإصدارات الجديدة، ترتفع فاتورة فوائد الحكومة، ويؤدي ارتفاع الفوائد بدوره إلى توسيع العجز، ما يفرض مزيدًا من الاقتراض.

يمكن أن تنشأ من ذلك دائرة يصعب كسرها: دين أكبر يؤدي إلى مصروفات فائدة أعلى، وهذه المصروفات توسع العجز، ثم يحتاج العجز الأكبر إلى إصدارات إضافية، وقد تتطلب الإصدارات الجديدة عوائد أعلى لجذب المشترين.

وهذه الديناميكية هي أساس المخاوف من اقتراب الولايات المتحدة في مرحلة ما من حدود مسارها المالي الحالي. وإذا تطورت أزمة فعلية، فقد تظهر في البداية على هيئة ارتفاع حاد في تكلفة التمويل أكثر من ظهورها كعجز عن الاقتراض.

بيسنت يراهن على النمو لتغيير مسار الدين

يرى وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أن تسارع النمو الاقتصادي بالتزامن مع ضبط الإنفاق يمكن أن يغير مسار الاقتراض الأميركي، وهذه الفكرة ممكنة من الناحية النظرية.

فإذا نما الناتج المحلي الإجمالي الاسمي بوتيرة أسرع وتراجع العجز كنسبة من حجم الاقتصاد، تصبح إدارة الدين أكثر سهولة حتى لو استمر الحجم الاسمي للدين في الارتفاع.

لكن التحدي يكمن في التنفيذ. فالأسواق تحتاج إلى أدلة مقنعة على أن العجوزات المستقبلية ستتراجع بالفعل. وإذا بقي النمو قويًا لكن الإنفاق المالي ظل مرتفعًا، فقد تستمر الحكومة في الحاجة إلى تمويل ضخم. وإذا كان التشديد المالي قويًا أكثر من اللازم، فقد يضغط بدوره على النمو.

ولهذا تبحث سوق السندات عن مزيج موثوق من إنتاجية أقوى وإنفاق أكثر انضباطًا وإيرادات مستدامة. وحتى يظهر هذا التعديل بوضوح، يمكن للعوائد المرتفعة أن تعمل كأداة السوق الخاصة لفرض الانضباط المالي.

الذكاء الاصطناعي ينافس الحكومة الأميركية على رأس المال

وزارة الخزانة ليست الجهة الوحيدة التي تطلب مبالغ هائلة من المستثمرين. فشركات التكنولوجيا تمول واحدة من أكبر دورات الاستثمار في العصر الحديث من أجل بناء مراكز البيانات والبنية التحتية لأشباه الموصلات وتوليد الكهرباء وشبكات الاتصالات اللازمة للذكاء الاصطناعي.

وأشار داليو إلى الاعتماد المتزايد لكبرى شركات الحوسبة السحابية على تمويل الديون. ففي المراحل الأولى من طفرة الذكاء الاصطناعي، كان من الممكن تمويل جزء كبير من الاستثمارات عبر الأسهم والتدفقات النقدية الداخلية، لكن مع تضخم الاحتياجات الرأسمالية تتجه شركات أكثر إلى أسواق السندات.

وهذا يخلق منافسة مباشرة على رأس المال. فالمستثمر الذي يختار بين سند خزانة بعائد يتجاوز 5%، وسند لشركة تكنولوجيا عالية الجودة يقدم عائدًا إضافيًا، وسهم يتوقع الاستفادة من نمو الذكاء الاصطناعي، سيبحث عن أفضل عائد مقابل المخاطر.

وكلما تضخمت هذه الاحتياجات التمويلية في الوقت نفسه، ارتفعت تكلفة رأس المال المطلوبة لتحقيق التوازن. وهذا أحد الأسباب التي قد تجعل ارتفاع عوائد السندات ظاهرة أكثر هيكلية من كونها حركة مؤقتة.

العوائد المرتفعة قد تختبر في النهاية طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي

العلاقة بين سوق السندات والذكاء الاصطناعي تعمل في الاتجاهين. فالإنفاق على الذكاء الاصطناعي يرفع الطلب على رأس المال، لكن ارتفاع العوائد يجعل تمويل هذه الاستثمارات أكثر تكلفة لاحقًا.

المشروعات التي تبدو جذابة في بيئة التمويل الرخيص قد تصبح أقل جدوى عندما ترتفع تكاليف الديون بصورة كبيرة. وتتمتع شركات التكنولوجيا العملاقة صاحبة التدفقات النقدية الحرة الضخمة بقدرة أكبر على تحمل الفائدة المرتفعة، لكن حتى هذه الشركات تواجه في النهاية حدودًا لتخصيص رأس المال.

وقد يتحول ذلك إلى قناة مهمة لانتقال أثر العوائد إلى الاقتصاد. فإذا رفعت سندات الخزانة تكاليف التمويل إلى مستويات تؤدي إلى تباطؤ الإنفاق الرأسمالي على الذكاء الاصطناعي، فقد ينخفض أحد مصادر الطلب على رأس المال، لكن الاقتصاد سيخسر في الوقت نفسه أحد أهم محركات النمو وتفاؤل أسواق الأسهم.

وهكذا تجد الأسواق نفسها في دورة غير معتادة: الاستثمار القوي يساهم في دفع العوائد إلى الأعلى، بينما قد تصبح هذه العوائد المرتفعة نفسها عاملًا يحد من الاستثمار لاحقًا.

تراجع الطلب الأجنبي أصبح أكثر أهمية في البيئة المالية الحالية

خفضت الصين واليابان انكشافهما على سندات الخزانة في فترات سابقة من دون أن يؤدي ذلك إلى أزمة. لكن الاختلاف اليوم يكمن في البيئة المحيطة.

الحكومة الأميركية تقترض بكثافة، والعوائد طويلة الأجل مرتفعة بالفعل، والتضخم ما يزال أعلى من المستويات المريحة، وإصدارات الشركات كبيرة، بينما أصبح المستثمرون الرسميون الأجانب أقل هيمنة مما كانوا عليه حول الأزمة المالية العالمية.

وهذا يعني أن تراجع الطلب من دائن كبير قد يكون له أثر هامشي أكبر مما كان سيحدث عندما كان المعروض من سندات الخزانة أقل وكانت البنوك المركزية تراكم الاحتياطيات بسرعة.

المسألة في النهاية تتعلق بالقدرة الاستيعابية للسوق. فمن شبه المؤكد وجود مشترين للدين الحكومي الأميركي، لكن السؤال هو: إلى أي مستوى يجب أن ترتفع العوائد حتى يظهر عدد كافٍ من هؤلاء المشترين؟

الصين واليابان لا تمثلان القصة نفسها في سوق السندات الأميركية

من المهم عدم دمج الصين واليابان في رواية واحدة. فتراجع الانكشاف الصيني يرتبط بتنويع الاحتياطيات وتباطؤ التراكم والاعتبارات الجيوسياسية، بينما ترتبط الحالة اليابانية بدرجة أكبر بالسياسة النقدية وتدخلات العملة وارتفاع جاذبية العوائد المحلية.

الدوافع مختلفة، لكن النتيجة المحتملة على السوق واحدة: تراجع حجم الطلب الرسمي الأجنبي المتاح لاستيعاب الإصدارات الجديدة.

وعندها تصبح السوق أكثر اعتمادًا على مستثمرين خاصين شديدي الحساسية للسعر، وهؤلاء يطالبون عادة بعوائد أعلى عندما تزداد المخاطر المالية أو يزداد عدم اليقين بشأن التضخم.

فرنسا تظهر أن أزمة تكلفة الاقتراض ليست مشكلة أميركية فقط

الضغوط على أسواق السندات السيادية أصبحت ظاهرة عالمية، وفرنسا واحدة من أبرز الأمثلة، بعدما تعرضت سنداتها لخسائر قوية مع إعادة المستثمرين تقييم العجز المالي والمخاطر السياسية.

ويرى داليو أن فرنسا اقتربت بالفعل من مستوى خطير في ما يتعلق بالاقتراض، لكن المقارنة مع الولايات المتحدة يجب التعامل معها بحذر لأن النظامين النقديين مختلفان جذريًا. ففرنسا لا تسيطر منفردة على العملة التي تصدر بها ديونها الحكومية، بينما تصدر الولايات المتحدة العملة الاحتياطية العالمية وتملك سوق سندات أعمق بكثير.

ومع ذلك، تبقى الرسالة العامة مهمة: الاقتصادات المتقدمة الكبيرة لم تعد تحصل تلقائيًا على تمويل رخيص فقط لأن سنداتها كانت تاريخيًا تعتبر آمنة. المستثمرون أصبحوا يميزون بصورة أكبر بين المسارات المالية المختلفة.

ما الإشارات التي تؤكد تحول الطلب الأجنبي إلى مشكلة حقيقية؟

لن يكون شهر واحد من المبيعات الصينية أو اليابانية دليلًا كافيًا على وجود أزمة. الإشارة الأكثر خطورة ستكون ظهور مجموعة من التطورات في الوقت نفسه: انخفاض مستمر في الحيازات الرسمية الأجنبية، وضعف الطلب في مزادات الخزانة، وارتفاع علاوة الأجل، وصعود العوائد رغم تراجع التضخم، وزيادة اعتماد السوق على مستثمرين خاصين يستخدمون الرافعة المالية أو يشترون فقط عند أسعار أكثر جاذبية.

كما ستصبح حركة الدولار مهمة جدًا. ففي أوقات الضغوط العالمية السابقة، كان المستثمرون يتجهون عادة إلى الأصول الأميركية، ما يؤدي إلى ارتفاع الدولار وانخفاض عوائد السندات.

أما إذا بدأت موجات العزوف عن المخاطر مستقبلًا في دفع الدولار إلى الانخفاض بالتزامن مع ارتفاع العوائد طويلة الأجل، فستكون تلك إشارة أكثر خطورة على أن المستثمرين يعيدون تقييم العلاقة التقليدية بين سندات الخزانة الأميركية والملاذ الآمن.

وهذا التطور سيكون أكثر أهمية بكثير من تغيرات شهرية محدودة في حيازات المستثمرين الأجانب.

لماذا ستحدد الصين واليابان جزءًا من مستقبل عوائد سندات الخزانة الأميركية؟

تحذير راي داليو لا ينبغي اختزاله في توقع بأن الصين واليابان تستعدان لبيع سندات الخزانة الأميركية بصورة جماعية. فالمسألة الأعمق هي أن هيكل تمويل سوق الدين الأميركي يتغير في وقت تحتاج فيه الولايات المتحدة إلى كميات استثنائية من رأس المال.

انخفضت الحيازات الصينية المعلنة من نحو 1.3 تريليون دولار في 2013 إلى 618 مليار دولار، بينما تراجعت حيازات اليابان إلى نحو 1.1 تريليون دولار في يوليو. ولا يحتاج أي من البلدين إلى البيع بقوة حتى يصبح الاتجاه مهمًا للأسواق.

فإذا أصبحت الصين واليابان أقل استعدادًا لتمويل الزيادة الإضافية في الاقتراض الأميركي، سيتعين على مستثمرين أكثر حساسية للعائد والتضخم والمخاطر المالية استيعاب جزء أكبر من الدين الجديد.

ويحدث ذلك في الوقت الذي تتنافس فيه شركات الذكاء الاصطناعي على رأس المال، وتقدم فيه اليابان عوائد محلية أكثر جاذبية، بينما يتداول عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات قرب 5.3%.

ولهذا أصبح سؤال المشتري أحد أهم الأسئلة التي تواجه سوق السندات الأميركية. من غير المرجح أن تجد الولايات المتحدة نفسها فجأة من دون مستثمرين راغبين في امتلاك سنداتها، لكن استمرار ارتفاع الدين وتراجع دور بعض المشترين التقليديين قد يعني شيئًا أكثر بساطة وأهمية للأسواق: واشنطن قد تضطر تدريجيًا إلى دفع عائد أعلى للحصول على التمويل الذي تحتاج إليه.