هبوط النفط وتشدد رهانات الفيدرالي يضغطان على الذهب مع صعود العوائد الحقيقية

تتعرض الأسواق الآن لصدمتين قويتين في وقت واحد: هبوط حاد في أسعار النفط مع عودة حركة الناقلات عبر مضيق هرمز إلى مستويات أقرب إلى الطبيعي، وإعادة تسعير أكثر تشددًا لمسار الاحتياطي الفيدرالي بعد أول اجتماع لكيفن وارش على رأس البنك المركزي. والنتيجة المباشرة هي صعود العوائد الحقيقية، وتزايد الضغط على الذهب والفضة وبقية المعادن الثمينة.

بواسطة Ahmed Azzam | @3zzamous

Gold price today
  • هبط خام برنت بأكثر من 5% إلى قرب 72 دولارًا للبرميل.

  • كان برنت يتداول فوق 100 دولار قبل أكثر قليلًا من شهر.

  • تراجع الذهب باتجاه 4,000 دولار للأونصة.

  • الأسواق تسعّر مزيدًا من تشدد الفيدرالي رغم هبوط أسعار النفط.

الأسواق تتحرك تحت تأثير صدمتين في آن واحد

شهدت الأسواق تحركات كبيرة على نحو غير معتاد، مع هبوط النفط، وتراجع المعادن الثمينة، وتبدل توقعات أسعار الفائدة في الوقت نفسه.

فقد انخفض خام برنت تسليم الشهر القادم بأكثر من 5% إلى قرب 72 دولارًا للبرميل. وهذا التحرك يمثل انعكاسًا حادًا مقارنة بما كانت عليه السوق قبل أكثر قليلًا من شهر، حين تجاوز برنت مستوى 100 دولار بفعل القلق الجيوسياسي حول مضيق هرمز.

وفي الوقت نفسه، تعرض الذهب والفضة وبقية المعادن الثمينة لضغوط قوية. الذهب هبط باتجاه 4,000 دولار للأونصة، وهو المستوى الذي كان قد تجاوزه أول مرة في أكتوبر الماضي عندما كانت رهانات تآكل قيمة العملات الورقية تتصدر المشهد.

ما يحدث الآن لا يرتبط بالنفط وحده. السوق تتعامل مع قوتين متزامنتين: تراجع توقعات التضخم بفعل هبوط أسعار الطاقة، وارتفاع متوقع في العوائد الحقيقية بعد أن قرأ المستثمرون اجتماع الاحتياطي الفيدرالي الأخير على أنه نقطة تحول أكثر تشددًا.

وهذا المزيج ثقيل على الذهب. فالمعادن الثمينة تستفيد عادة عندما يخشى المستثمرون التضخم، أو تراجع القوة الشرائية للعملات، أو اتساع الضغوط المالية. أما عندما تنخفض توقعات التضخم وترتفع العوائد الحقيقية، فإن الاحتفاظ بالذهب يصبح أقل جاذبية.

هبوط النفط يأتي مع عودة حركة هرمز إلى طبيعتها

الصدمة الأولى جاءت من التسارع الواضح في عودة حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز إلى وضع أكثر استقرارًا.

العودة جاءت أسرع مما كانت الأسواق تتوقع. الأسعار أصبحت الآن قريبة من المستويات التي كانت سائدة قبل اندلاع الحرب. وهناك تواريخ مفصلية تشرح هذا التحول: 27 فبراير كان آخر يوم قبل اندلاع الحرب، و13 أبريل كان بداية الحصار الأميركي على إيران، و17 يونيو كان موعد اجتماع الفيدرالي الأسبوع الماضي.

خلال ذروة التوتر، ارتفعت أسعار النفط بقوة لأن المتعاملين كانوا يخشون تعطّل أحد أهم ممرات الطاقة في العالم. أما الآن، ومع عودة الحركة تدريجيًا، فإن علاوة المخاطر الجيوسياسية تتآكل بسرعة.

هذا التطور يحمل أثرًا انكماشيًا واضحًا. فهبوط النفط يعني تراجعًا في كلفة الوقود والنقل وبعض مدخلات الإنتاج. وإذا استمر هذا الاتجاه، فإن التضخم خلال الأشهر المقبلة سيكون أقل مما كانت الأسواق تخشاه عندما كان النفط فوق 100 دولار.

ومن حيث المبدأ، يفترض أن يؤدي ذلك إلى تخفيف الحاجة إلى تشديد نقدي إضافي.

رغم ذلك، الأسواق تسعّر فدراليًا أكثر تشددًا

هنا تظهر الصدمة الثانية، وهي أكثر تعقيدًا.

الأسواق بدأت تسعير مسار أكثر تشددًا للفيدرالي عندما ارتفعت أسعار النفط خلال اضطراب هرمز، وكان ذلك منطقيًا في حينه. فصعود الطاقة كان يهدد برفع التضخم، والمتداولون ردوا برفع احتمالات زيادة الفائدة.

لكن المفارقة ظهرت لاحقًا.

فعلى مدار الأسبوع الماضي، واصلت الأسواق تسعير مزيد من التشدد من الفيدرالي، حتى مع هبوط النفط بقوة. وهذا يوحي بأن المستثمرين لم يعودوا يتفاعلون فقط مع تضخم الطاقة، وإنما مع تغير محتمل في طريقة استجابة الفيدرالي بعد أول اجتماع لكيفن وارش بصفته رئيسًا للبنك المركزي.

المعنى ببساطة أن السوق بدأت تميل إلى الاعتقاد بأن الفيدرالي صار أكثر استعدادًا لرفع الفائدة، حتى مع تراجع واحدة من أهم الصدمات التضخمية.

وهنا تحديدًا يكمن التوتر الرئيسي في حركة السوق الحالية.

العوائد الحقيقية ترتفع بسرعة

النتيجة الطبيعية لهذا المزيج كانت ارتفاعًا سريعًا في أسعار الفائدة الحقيقية.

العوائد الحقيقية ترتفع لأن السوق تجمع بين فكرتين في وقت واحد: توقعات تضخم أقل، ومسار أكثر تشددًا للفيدرالي. والعائد الحقيقي لسندات الخزانة لأجل عامين، المقاس عبر السندات المحمية من التضخم، ارتفع منذ اجتماع الفيدرالي الأخير. وفي الوقت نفسه، انخفضت توقعات التضخم الضمنية مع هبوط أسعار النفط.

وهذا خليط شديد الأهمية.

فعندما تتراجع توقعات التضخم، فالسوق تقول إن الأسعار المستقبلية قد تكون أقل. وعندما ترتفع العوائد الحقيقية، فالسوق تقول إن العائد المعدل حسب التضخم على الأصول الآمنة أصبح أكثر جاذبية. وفي هذه البيئة، تتراجع جاذبية الأصول التي لا تدر عائدًا مثل الذهب.

وهذا يفسر لماذا تعرضت المعادن الثمينة لموجة بيع بهذه السرعة.

الذهب يتراجع مع انحسار رهانات تآكل قيمة العملات

الصعود السابق في الذهب كان مدفوعًا جزئيًا بما يمكن وصفه برهان تآكل قيمة العملات.

هذا الرهان يقوم على فكرة أن السياسة المالية المتساهلة، وارتفاع الدين العام، واحتمال اللجوء غير المباشر إلى تمويل العجز، كلها عوامل تجعل الأصول الصلبة أكثر جاذبية من النقود الورقية. ولهذا يستفيد الذهب والفضة عندما يشعر المستثمرون بأن الحكومات والبنوك المركزية تضعف القيمة الحقيقية للعملة بمرور الوقت.

لكن البيئة الحالية تسير في الاتجاه المعاكس.

النفط يهبط. توقعات التضخم تتراجع. العوائد الحقيقية ترتفع. والفيدرالي يُسعَّر على أنه أكثر تشددًا. وهذا كله يجعل النقد والسندات أكثر جاذبية نسبيًا مقارنة بالذهب.

ولهذا تراجع الذهب نحو 4,000 دولار للأونصة، وتعرضت الفضة وبقية المعادن الثمينة لضغوط مماثلة.

السوق قد تكون تبالغ في قراءة رسالة الفيدرالي

هناك حجة قوية تقول إن الأسواق ربما بالغت في تسعير الرسالة المتشددة الصادرة عن اجتماع الفيدرالي الأخير.

فأول ظهور لكيفن وارش كرئيس للفيدرالي كان متوقعًا أصلًا أن يحمل نبرة صارمة تجاه التضخم. وكان عليه أن يرسم حدًا واضحًا بين استقلالية البنك المركزي وضغوط البيت الأبيض، خصوصًا في ظل المطالبات السياسية المستمرة بخفض الفائدة. ولهذا، فإن التشديد على أهمية استقرار الأسعار قد يكون أقرب إلى تثبيت المصداقية منه إلى الإعداد الفعلي لدورة رفع جديدة.

مخطط النقاط نفسه يحتاج أيضًا إلى قدر من الحذر. كيفن وارش لم يضع توقعه الشخصي، والنقاط المتشددة التي ظهرت لا تعني بالضرورة أنها تمثل المسار المفضل لديه.

وهذا مهم لأن تسعير السوق يبدو الآن غير منسجم بالكامل. النفط عاد تقريبًا إلى مستويات ما قبل الحرب، ومع ذلك تسعّر الأسواق فدراليًا أكثر تشددًا من السابق. وإذا كانت صدمة الطاقة تتلاشى، فمن غير الواضح لماذا يحتاج الفيدرالي إلى تشديد أكبر مما كان متوقعًا قبل ذلك.

تقرير التضخم الأميركي في يونيو سيكون الاختبار التالي

الاختبار الأهم التالي سيكون مع تقرير مؤشر أسعار المستهلكين الأميركي لشهر يونيو، المقرر صدوره في 14 يوليو.

إذا بدأ هبوط النفط ينعكس فعليًا في بيانات التضخم، فقد تضطر الأسواق إلى إعادة النظر في فكرة أن الفيدرالي يستعد لمزيد من الرفع. قراءة أضعف للتضخم ستعزز الرأي القائل إن الأثر الانكماشي الناتج عن هبوط الطاقة حقيقي، وليس مجرد حركة عابرة في السوق.

وهذا قد يضعف مبررات رفع الفائدة، ويعيد إحياء فكرة أن الخطوة التالية من الفيدرالي قد تكون خفضًا في مرحلة لاحقة، لا زيادة جديدة.

وحتى يحين ذلك الموعد، قد تظل ما يمكن تسميته بـ"تجارة الانكماش" هي المسيطرة. السوق تكافئ حاليًا الأصول الأقل تعرضًا للتضخم، والعوائد الحقيقية الأعلى، والطلب الأضعف على الذهب كأداة تحوط.

مخاوف تآكل قيمة العملات لم تختفِ

مع ذلك، لا يعني الهبوط الحالي أن قصة الذهب الطويلة انتهت.

العوامل الهيكلية التي دعمتها ما تزال موجودة. فالسياسة المالية في معظم اقتصادات مجموعة العشر ما تزال تحت ضغط بسبب مستويات الدين المرتفعة، والعجوزات الكبيرة، وارتفاع كلفة خدمة الدين. وهذه العوامل لا تختفي بسبب هبوط مؤقت في النفط أو مؤتمر صحفي متشدد من الفيدرالي.

لذلك، قد يكون ما يحدث في الذهب والفضة اليوم أقرب إلى إعادة ضبط للتسعير منه إلى نهاية كاملة للاتجاه الأكبر.

فإذا تباطأت بيانات التضخم، وتوقفت الأسواق عن تسعير مزيد من رفع الفائدة، فقد تستقر العوائد الحقيقية أو تعود إلى الهبوط. وعندها يمكن للذهب وبقية المعادن الثمينة أن تستعيد الزخم، خاصة إذا عادت المخاوف المالية إلى مركز المشهد من جديد.