من يشتري ديون الخزانة الأميركية الآن؟ ولماذا قد تبقى العوائد مرتفعة؟

لم يتوقف المستثمرون الأجانب عن تمويل الدين الأميركي، لكن هوية المشتري تغيرت بصورة واضحة. فبعدما كانت البنوك المركزية الأجنبية تمثل أحد أهم مصادر الطلب المستقر على سندات الخزانة، أصبح المستثمرون من القطاع الخاص أكثر تأثيرًا، وهو تحول قد يجعل الحكومة الأميركية مضطرة إلى دفع عوائد أعلى كلما ازدادت الإصدارات أو ارتفعت تقلبات الأسواق.

بواسطة Ahmed Azzam | @3zzamous

U.S. Treasury debt
  • تجاوز حجم سندات الخزانة الأميركية القابلة للتداول 30 تريليون دولار، بما في ذلك حيازات الاحتياطي الفيدرالي.

  • امتلك المستثمرون الأجانب نحو 40% من سندات الخزانة بالقيمة السوقية بحلول منتصف 2025، مقارنة بأكثر من 50% خلال فترة الأزمة المالية العالمية.

  • بلغت حيازات المستثمرين الأجانب من القطاع الخاص نحو 7 تريليونات دولار، مقابل قرابة 3.9 تريليونات للمؤسسات الرسمية الأجنبية.

  • انخفضت حيازات الصين المعلنة من سندات الخزانة بنحو 400 مليار دولار بين 2011 و2024، فيما تراجعت حصة اليابان من السوق من نحو 10% إلى 4%.

  • تتوقع وزارة الخزانة اقتراض أكثر من 10 مليارات دولار صافيًا في كل يوم عمل من يوليو حتى ديسمبر 2026.

الولايات المتحدة ما تزال بحاجة إلى المشترين الأجانب

تصدر الولايات المتحدة ديونًا بوتيرة تجعل هوية المشتري أكثر أهمية من أي وقت مضى. فقد تجاوز حجم سندات الخزانة القابلة للتداول 30 تريليون دولار، بما يشمل الأوراق التي يحتفظ بها الاحتياطي الفيدرالي، بينما تعني العجوزات المالية الكبيرة أن المعروض سيواصل الارتفاع خلال السنوات المقبلة.

ومن يوليو حتى ديسمبر 2026 وحدهما، تتوقع وزارة الخزانة أن تقترض أكثر من 10 مليارات دولار صافيًا في كل يوم عمل. وتستوعب البنوك الأميركية وصناديق التقاعد وشركات التأمين والصناديق المشتركة والاحتياطي الفيدرالي جزءًا كبيرًا من هذه الإصدارات، لكن رأس المال الأجنبي ما يزال يمثل أحد أهم مصادر تمويل الحكومة.

وتزداد أهمية هذا الطلب لأن العجز الكبير في الموازنة الأميركية يتزامن مع عجز واسع في الحساب الجاري، فيما تقترب صافي الالتزامات الخارجية للولايات المتحدة من 70% من الناتج المحلي الإجمالي.

وطالما بقي المستثمر الأجنبي مستعدًا لشراء الدين الأميركي، تستطيع الخزانة تمويل هذه الاحتياجات بمعدلات يمكن للاقتصاد تحملها. أما إذا أصبح الطلب أقل قوة، فستحتاج السوق إلى عوائد أعلى حتى تجذب رأس المال المطلوب.

وهذا هو السبب الذي يجعل سؤال «من يشتري سندات الخزانة؟» أكثر أهمية مع اقتراب عائد الثلاثين عامًا من مستويات لم تسجل منذ ما يقارب عقدين.

المفاجأة أن الأجانب لم يهربوا من الدين الأميركي. الذي تغير هو نوع المستثمر الأجنبي نفسه.

الملكية الأجنبية تراجعت نسبيًا لكنها ما تزال ضخمة

امتلك المستثمرون الأجانب، الرسميون والخاصون معًا، نحو 40% من سندات الخزانة القائمة بالقيمة السوقية بحلول منتصف 2025. وهذه النسبة أقل من أكثر من 50% خلال الأزمة المالية العالمية بين 2007 و2009، لكنها تظل مرتفعة جدًا مقارنة بحجم السوق الحالي.

وقد تكون الملكية الأجنبية الفعلية أكبر مما تظهره بعض الإحصاءات التقليدية، لأن جزءًا متزايدًا من التعرض لسندات الخزانة يمر عبر صناديق تحوط مسجلة في مراكز مالية مثل جزر كايمان، وهي حيازات لا تظهر دائمًا بصورة كاملة في قواعد البيانات المبسطة.

ولهذا لا تكمن القصة في اختفاء رأس المال الأجنبي من السوق، وإنما في تغير مصدره.

خلال سنوات الأزمة المالية العالمية وما قبلها، كانت البنوك المركزية الأجنبية صاحبة الدور الأكبر في شراء الدين الأميركي. فقد راكمت الصين واليابان ودول أخرى كميات ضخمة من سندات الخزانة لأنها توفر سيولة مرتفعة، وتعتبر من أكثر الأصول أمانًا، وتناسب إدارة احتياطيات العملات الأجنبية.

أما اليوم، فقد أصبح المستثمر الأجنبي الخاص هو المجموعة الأكبر. وبحلول منتصف 2025، بلغت حيازاته نحو 7 تريليونات دولار، مقارنة بحوالي 3.9 تريليونات دولار لدى المؤسسات الرسمية الأجنبية.

وقد يبدو هذا التغير تقنيًا، لكنه قد يصبح شديد الأهمية في الأزمة المالية المقبلة.

لماذا لم تعد البنوك المركزية تشتري السندات كما في السابق؟

هناك عدة عوامل هيكلية تفسر تراجع حصة البنوك المركزية الأجنبية من سوق الخزانة الأميركية.

أولها تباطؤ نمو احتياطيات النقد الأجنبي عالميًا. ففي العقد الأول من الألفية، كانت الاقتصادات الناشئة ومصدرو السلع يراكمون احتياطيات ضخمة بوتيرة سريعة، وكان جزء كبير منها يجد طريقه بصورة طبيعية إلى سندات الخزانة الأميركية.

أما خلال العقد الأخير، فقد تباطأ تراكم الاحتياطيات قياسًا إلى حجم الاقتصاد العالمي، بينما استمر حجم الدين الأميركي في النمو بسرعة أكبر بكثير.

وهذا يعني أن البنوك المركزية كانت ستحتاج إلى زيادة مشترياتها بوتيرة استثنائية فقط للحفاظ على حصتها السابقة من السوق، وهو ما لم يحدث.

كذلك تراجعت حصة الدولار تدريجيًا من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية، مع توجه بعض البنوك المركزية إلى تنويع أصولها باتجاه عملات وأدوات أخرى.

وهناك عامل فني إضافي. فعندما يرتفع الدولار مقابل العملات الأخرى، تصبح الأصول الدولارية الموجودة أصلًا أكبر تلقائيًا كنسبة من إجمالي احتياطيات البنك المركزي. وعندها قد يحتاج مدير الاحتياطيات إلى شراء كمية أقل من الدولارات وسندات الخزانة للحفاظ على التوزيع المستهدف.

والنتيجة هي تراجع هيكلي وتدريجي في وتيرة الشراء الرسمي، وليس رفضًا مفاجئًا للدين الأميركي.

الصين واليابان تفسران جانبًا كبيرًا من التحول

تقدم الصين المثال الأوضح على تراجع الحيازات الرسمية. فقد انخفضت حيازاتها المعلنة من سندات الخزانة بنحو 400 مليار دولار بين 2011 و2024، بينما ارتفعت القيمة السوقية لإجمالي الدين القابل للتداول بنحو 15.6 تريليون دولار خلال الفترة نفسها.

وقد أصبحت بعض الحيازات الصينية تمر عبر أمناء حفظ ومراكز مالية مثل بلجيكا، ما يعني أن الأرقام الرسمية قد تبالغ في حجم الانخفاض المطلق. لكن حتى بعد أخذ ذلك في الاعتبار، تراجعت حصة الصين من سوق الخزانة بصورة واضحة.

أما اليابان فسلكت مسارًا مختلفًا. فقد بقيت حيازاتها مستقرة نسبيًا بالقيمة الدولارية، لكن السوق نفسها توسعت حولها بوتيرة هائلة. ومع تباطؤ تراكم الاحتياطيات اليابانية، هبطت حصة طوكيو من إجمالي سندات الخزانة من نحو 10% إلى قرابة 4%.

وتقدم روسيا المثال الأكثر حدة، إذ انهارت حيازاتها بعد 2018 مع ازدياد العقوبات واتساع الانفصال المالي عن الولايات المتحدة. في المقابل، تحركت الهند في الاتجاه الآخر، وزادت حيازاتها بأكثر من خمسة أضعاف مع تضاعف احتياطياتها من العملات الأجنبية بنحو ثلاث مرات.

الصورة العامة واضحة: البنوك المركزية لم تختفِ من سوق الخزانة، لكنها لم تعد توسع محافظها بالسرعة نفسها التي تزيد بها واشنطن اقتراضها.

المستثمرون من القطاع الخاص سدوا الفجوة

عوض المستثمرون الأجانب من القطاع الخاص جانبًا كبيرًا من تراجع الطلب الرسمي، وأصبحوا اليوم يمتلكون نحو 7 تريليونات دولار من سندات الخزانة، أي ما يزيد بوضوح على حيازات البنوك المركزية والحكومات الأجنبية.

ويرجع ذلك إلى عدة عوامل.

فالمستثمرون الدوليون أصبحوا أقل تمسكًا بأسواقهم المحلية، وبدأوا يوزعون نسبة أكبر من محافظ السندات خارج بلدانهم. وبالنظر إلى عمق سوق الخزانة الأميركية وسيولتها، أصبحت السندات الحكومية الأميركية وجهة طبيعية لهذا النوع من رأس المال.

كما يزداد الطلب الخاص تقليديًا خلال فترات النفور من المخاطر. فعندما تصبح الأسهم أو سندات الشركات أو الأسواق الناشئة أقل جاذبية، تستفيد سندات الخزانة غالبًا من وضعها التقليدي كملاذ آمن.

وقد يعزز الدولار القوي هذا الاتجاه أيضًا، خصوصًا عندما يرى المستثمر الأجنبي أن الاستثمار في الأصول الأميركية يوفر له عائدًا من السند ومن العملة في الوقت نفسه.

هذا الطلب سمح ببقاء التمويل الأجنبي للدين الأميركي عند مستويات مرتفعة رغم تراجع البنوك المركزية. لكن طبيعة رأس المال الجديد تختلف، وهذه النقطة هي التي قد تغير سلوك السوق في المستقبل.

البنك المركزي وصندوق التحوط لا يتصرفان بالطريقة نفسها

عادة ما تكون المؤسسات الرسمية الأجنبية مستثمرين أكثر استقرارًا. فالبنك المركزي لا يبيع محفظة الاحتياطيات لأن أسعار السندات تراجعت لثلاث جلسات، لأن أهدافه ترتبط بالسيولة والحفاظ على رأس المال وإدارة العملة أكثر من تحقيق أعلى عائد قصير الأجل.

أما المستثمرون من القطاع الخاص فهم مجموعة أكثر تنوعًا.

صناديق التقاعد وشركات التأمين قد تتصرف بطريقة قريبة من البنوك المركزية، إذ تحتفظ بالسندات لسنوات وتطابقها مع التزامات طويلة الأجل. لكن صناديق التحوط قد تتصرف بطريقة مختلفة تمامًا.

وقد أصبحت نسبة متزايدة من الحيازات الأجنبية مرتبطة باستراتيجيات ذات رافعة مالية مرتفعة، تمر غالبًا عبر مراكز مثل جزر كايمان. ويستخدم كثير من هذه الصناديق سندات الخزانة في ما يعرف بصفقات الأساس، حيث يحاول المستثمر الاستفادة من فروق سعرية صغيرة بين السندات والعقود الآجلة المرتبطة بها.

ولأن تلك الفروق محدودة، يستخدم المتداولون رافعة مالية كبيرة لجعل الصفقة مجدية اقتصاديًا.

يمكن لهذه الاستراتيجية أن تعمل بكفاءة في الظروف الطبيعية.

لكنها قد تتحول أثناء الأزمات إلى مصدر للبيع القسري.

ما حدث في مارس 2020 ما يزال مهمًا

اهتزت الصورة التقليدية لسندات الخزانة كأكثر أصول العالم أمانًا وسيولة بصورة واضحة في مارس 2020.

فمع اندفاع المستثمرين إلى جمع السيولة في الأيام الأولى من صدمة الجائحة، تعرضت سندات الخزانة نفسها للبيع بالتزامن مع الأصول الخطرة. وبدأت المراكز الممولة بالرافعة المالية في التفكك، وتدهورت السيولة بصورة حادة، واضطر الاحتياطي الفيدرالي في النهاية إلى تدخل واسع لاستعادة استقرار السوق.

وتحمل هذه التجربة أهمية أكبر اليوم لأن المستثمرين من القطاع الخاص أصبحوا يشكلون نسبة أكبر من التمويل الأجنبي لسوق الخزانة.

وظهرت لمحة من السلوك نفسه خلال صدمة الرسوم الجمركية في أبريل 2025. فبدل السيناريو التقليدي الذي تتراجع فيه العوائد ويقوى الدولار مع زيادة النفور من المخاطر، ارتفعت العوائد طويلة الأجل بينما ضعف الدولار.

لا تكفي حادثة واحدة لتغيير عقود من تاريخ سندات الخزانة كملاذ آمن، لكنها تثبت أن الطلب على الدين الحكومي الأميركي ليس تلقائيًا في جميع الظروف.

فعندما يحتاج المستثمرون إلى النقد، أو تبدأ الصفقات ذات الرافعة المالية في التفكك، قد يتحول حتى أكثر الأصول أمانًا في العالم إلى أصل يتم بيعه.

وهنا تصبح هوية المشتري أكثر أهمية من مجرد نسبة الملكية الأجنبية.

المراكز المالية تجعل معرفة المالك الحقيقي أكثر صعوبة

تزداد قراءة بيانات ملكية سندات الخزانة تعقيدًا بسبب المكان الذي تسجل فيه الحيازات.

فكميات متزايدة من الدين الحكومي الأميركي تمر عبر مراكز مالية مثل جزر كايمان وبريطانيا وإيرلندا ولوكسمبورغ وبلجيكا. ولهذا فإن الدولة المسجلة في بيانات الملكية قد تعكس موقع أمين الحفظ أو الصندوق أو الوسيط، وليس جنسية المستثمر النهائي.

قد تكون سندات مسجلة في بلجيكا مملوكة فعليًا لبنك مركزي آسيوي، فيما يمكن لحيازات ضخمة تظهر في جزر كايمان أن تخص صناديق تحوط يديرها مستثمرون أميركيون.

وتصبح هذه الضبابية أكثر أهمية في فترات الضغط المالي، لأن معرفة أن 500 مليار دولار من السندات مسجلة في دولة معينة لا تخبر صناع السياسة بالضرورة عن مدى استقرار تلك الأموال إذا ارتفعت العوائد فجأة أو ازدادت التقلبات.

المهم ليس المكان الذي تسجل فيه الورقة المالية، وإنما نوع المستثمر الذي يقف خلفها ومدى استعداده للاحتفاظ بها عندما تتغير الظروف.

المشتري الهامشي هو ما يحدد سعر الفائدة

لا تحتاج وزارة الخزانة إلى أن يزيد كل حامل حالي لسنداتها مركزه باستمرار. ما تحتاجه هو وجود مشترٍ مستعد لاستيعاب الدولار التالي من الإصدارات.

ومع استمرار العجز وارتفاع احتياجات الاقتراض، تصبح هوية هذا المشتري الهامشي أكثر أهمية.

فإذا توقفت البنوك المركزية الأجنبية عن زيادة حيازاتها بصورة كبيرة، يتعين على المستثمر الأميركي ورأس المال الخاص الأجنبي استيعاب كمية أكبر من السندات الجديدة.

وقد يحتاج ذلك إلى عائد أعلى.

فمدير الأصول الذي يختار بين سندات الخزانة وسندات الشركات والأسهم يتفاعل مع العائد المتوقع بصورة أكثر مباشرة بكثير من مدير احتياطيات البنك المركزي. وإذا ارتفع المعروض أسرع من الطلب، يستطيع المستثمر ببساطة الانتظار حتى تصبح العوائد أكثر جاذبية.

وقد يكون هذا أحد الأسباب التي تفسر بقاء العوائد الطويلة مرتفعة حتى مع استقرار توقعات التضخم نسبيًا.

فالخزانة الأميركية قد تضطر بصورة متزايدة إلى المنافسة على رأس المال بدل الاعتماد على تدفق شبه تلقائي من احتياطيات البنوك المركزية.

الأجانب لا يتخلصون من سندات الخزانة الأميركية

أكثر التفسيرات دراماتيكية لتحولات الملكية هو الأقل دقة.

لا توجد أدلة على خروج جماعي للأجانب من سوق الدين الأميركي.

فإجمالي الحيازات الأجنبية واصل الارتفاع بالقيمة الدولارية، وتمكن الطلب الخاص من تعويض جانب كبير من ضعف مشتريات القطاع الرسمي.

القصة إذن هي إعادة توزيع للملكية، لا هروبًا من السوق.

وهذا فارق مهم.

فلو كان الأجانب يفقدون الثقة بصورة جماعية في سندات الخزانة، لكنا أمام انخفاض واسع في التعرض الأميركي لدى مختلف أنواع المستثمرين.

أما ما يحدث الآن فهو أكثر هدوءًا: البنوك المركزية تزيد حيازاتها ببطء شديد مقارنة بالسابق، فيما يحتل المستثمر الخاص مساحة أكبر.

الطلب الأجنبي ما يزال ضخمًا.

لكن سلوكه أصبح أقل قابلية للتنبؤ.

موجة إعادة التمويل تضيف اختبارًا جديدًا

لا تواجه الخزانة عجزًا جديدًا فقط، وإنما تدخل أيضًا دورة ضخمة لإعادة تمويل الديون القديمة.

فكميات كبيرة من السندات التي صدرت قبل الجائحة وخلالها ستصل إلى الاستحقاق خلال السنوات المقبلة، ويجب إما سدادها أو إصدار ديون جديدة لتحل محلها.

عمليًا، سيعاد تمويل معظمها.

وإذا حملت السندات الجديدة عوائد أعلى بكثير من الديون التي تنتهي، ستستمر فاتورة الفائدة الفيدرالية في الارتفاع حتى لو تباطأ نمو إجمالي الدين.

ولهذا يصبح الطلب الأجنبي مهمًا من جهتين في الوقت نفسه. فوزارة الخزانة تحتاج إلى المشترين لتمويل العجز الجديد، وتحتاج إليهم أيضًا لامتصاص السندات التي ستصدر لإعادة تمويل الالتزامات القديمة.

ومع تطبيق حتى تغير صغير في العائد المطلوب على تريليونات الدولارات من الإصدارات، تصبح الكلفة المالية كبيرة جدًا.

العوائد الأعلى تعني أيضًا خروج دخل أكبر من الولايات المتحدة

هناك جانب آخر للملكية الأجنبية يحصل على اهتمام أقل.

فعندما يمتلك المستثمرون خارج الولايات المتحدة سندات الخزانة، تذهب مدفوعات الفائدة على هذه السندات إلى الخارج.

ومع ارتفاع صافي الالتزامات الخارجية الأميركية وبقاء العوائد مرتفعة، يزداد حجم الدخل الذي تنتقل قيمته إلى الدائنين الأجانب.

وهذا ليس أمرًا سلبيًا بطبيعته. فالاقتصادات ذات أسواق رأس المال العميقة تقترض من المستثمرين الخارجيين بصورة طبيعية.

لكن اجتماع كمية أكبر من الدين مع فائدة أعلى يعني أن هذه المدفوعات ستستمر في النمو حتى إذا لم يتراجع الطلب الأجنبي على الإطلاق.

وبالتالي لا تقتصر المخاطر المالية على احتمال بيع الأجانب لسنداتهم. فالحكومة مطالبة أيضًا بخدمة كميات أكبر من الدين الأكثر تكلفة، سواء كان مملوكًا محليًا أو خارجيًا.

لماذا قد تبقى عوائد سندات الخزانة أعلى هيكليًا؟

قد يساعد التحول من الطلب الرسمي إلى الطلب الخاص في تفسير السبب الذي يجعل البيئة المقبلة مختلفة عن العقود السابقة.

فمديرو احتياطيات البنوك المركزية كانوا أقل حساسية نسبيًا لفروق التقييم الصغيرة. كانوا يحتاجون إلى أصول دولارية سائلة، وكانت سندات الخزانة الخيار الطبيعي.

أما المستثمر الخاص فينظر إلى السعر بصورة أكثر دقة.

إذا رأى أن عائد العشر سنوات لا يعوض بما يكفي عن المخاطر المالية أو عدم اليقين التضخمي أو مخاطر المدة، يستطيع المطالبة بعائد أكبر أو تحويل الأموال إلى أصل آخر.

ولا يعني ذلك أن مزادات الخزانة ستفشل فجأة.

المعنى هو أن العائد اللازم لتحقيق التوازن بين العرض والطلب قد يصبح أعلى.

وهذا الفارق يزداد أهمية كلما توسع اقتراض الحكومة.

فعالم كانت فيه البنوك المركزية تعيد تدوير احتياطياتها تلقائيًا نحو سندات الخزانة استطاع تمويل عجوزات أكبر بعوائد منخفضة نسبيًا. أما عندما يصبح المستثمر الخاص الحساس للسعر هو المشتري الهامشي، فقد تفرض السوق قدرًا أكبر من الانضباط على واشنطن.

ما الذي قد يضعف الطلب الأجنبي أكثر؟

هناك عدة مخاطر تستحق المتابعة خلال السنوات المقبلة.

فمن غير المرجح أن تعود مشتريات البنوك المركزية إلى وتيرتها القديمة ما لم يبدأ نمو الاحتياطيات العالمية بالتسارع مجددًا أو يؤدي ضعف الدولار إلى تغيير توزيعات المحافظ الرسمية.

أما الطلب الخاص، فقد يصبح أقل استقرارًا أثناء أزمات السوق، خصوصًا إذا اضطرت صناديق التحوط ذات الرافعة المالية إلى تقليص مراكزها في سندات الخزانة.

وقد يساهم الانقسام الجيوسياسي أيضًا ببطء في تغيير طريقة توزيع الاحتياطيات والمحافظ الخاصة، رغم أن هذه العملية ظلت حتى الآن تدريجية أكثر منها صادمة.

لكن الخطر الأكبر يبقى ماليًا.

فإذا اقتنع المستثمرون بأن حجم الدين الأميركي سيواصل الزيادة أسرع بكثير من قاعدة المشترين الطبيعية، سيطلبون عائدًا أكبر مقابل الاستمرار في التمويل.

وهذا يفسر لماذا أصبح العجز الحكومي عاملًا مباشرًا في تسعير الأسواق.

السؤال ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة ستجد من يشتري ديونها.

ستجد المشترين على الأرجح.

السؤال هو: عند أي سعر فائدة سيكون هؤلاء مستعدين للشراء؟

ماذا يعني تغير ملكية سندات الخزانة للعوائد الأميركية؟

لم يهجر المستثمر الأجنبي سوق سندات الخزانة، لكن البنية التي تمول الاقتراض الأميركي تغيرت بصورة جوهرية.

فقد تراجعت حصة الأجانب من أكثر من نصف السوق خلال الأزمة المالية العالمية إلى نحو 40% اليوم، وفي الوقت نفسه انتقلت القيادة داخل هذه الحصة من البنوك المركزية إلى المستثمرين من القطاع الخاص. وبحلول منتصف 2025، بلغت الحيازات الأجنبية الخاصة قرابة 7 تريليونات دولار، مقابل نحو 3.9 تريليونات دولار للمؤسسات الرسمية.

ويكتسب هذا التحول أهمية أكبر مع تجاوز الدين القابل للتداول 30 تريليون دولار، واستعداد واشنطن لاقتراض أكثر من 10 مليارات دولار صافيًا في كل يوم عمل خلال النصف الثاني من 2026.

وفرت البنوك المركزية تاريخيًا مصدرًا أكثر استقرارًا للتمويل. أما المستثمرون الذين يحلون محلها اليوم، فهم أكثر حساسية للسعر، وبعضهم يستخدم مستويات مرتفعة من الرافعة المالية.

لا يعني ذلك أن الولايات المتحدة تتجه نحو أزمة تمويل وشيكة. فالطلب على سندات الخزانة ما يزال هائلًا، وحجم السوق وعمقها لا يملكان بديلًا حقيقيًا حتى الآن.

لكن قواعد اللعبة تغيرت.

فقد تبقى الولايات المتحدة قادرة على الاقتراض بأحجام لا تستطيع أي دولة أخرى الاقتراب منها، لكن كلما أصبح المشتري النهائي أكثر اعتمادًا على حسابات العائد والسعر، قد تصبح كلفة هذه الميزة أعلى.

وهذا يعني أن مستقبل العوائد الطويلة لن يتحدد فقط بما يفعله الاحتياطي الفيدرالي أو بما تقوله بيانات التضخم. سيعتمد أيضًا على السؤال الأكثر بساطة في أسواق الدين: من سيشتري التريليون القادم من سندات الخزانة، وما العائد الذي سيطلبه مقابل ذلك؟