ناسداك يتراجع مع تصاعد الشكوك حول الإنفاق على الذكاء الاصطناعي وضبابية مسار الفيدرالي
دخل مؤشر ناسداك في مرحلة تصحيح أعمق، بعدما تراجع بنحو 11% من قممه الأخيرة، مع بدء المستثمرين إعادة تقييم العاملين الرئيسيين اللذين قادا موجة الصعود في أسواق الأسهم خلال العامين الماضيين: طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، وتوقعات السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي.

تراجع مؤشر ناسداك بنحو 11% مع تقليص المستثمرين انكشافهم على أسهم التكنولوجيا.
تعرضت أسهم شركات أشباه الموصلات لضغوط متزايدة بسبب المخاوف المتعلقة بالإنفاق على الذكاء الاصطناعي، وارتفاع تكاليف البنية التحتية، وتصاعد المنافسة من الصين.
لم يقدم الاحتياطي الفيدرالي إشارات واضحة بشأن مسار أسعار الفائدة، مما أضاف مزيدًا من الضبابية إلى الأسواق.
تفاؤل الذكاء الاصطناعي يصطدم بواقع التقييمات
لم تتغير قصة الذكاء الاصطناعي نفسها. فما تزال الشركات تضخ استثمارات ضخمة في هذا القطاع، كما لا يزال الطلب على قدرات الحوسبة المتقدمة قويًا للغاية. لكن ما تغير هو الطريقة التي ينظر بها المستثمرون إلى هذه الاستثمارات فبناء البنية التحتية اللازمة للذكاء الاصطناعي أصبح أكثر تكلفة من أي وقت مضى.
إذ يتطلب تطوير نماذج اللغة الضخمة إنفاق مليارات الدولارات على الرقائق الإلكترونية المتقدمة، وشبكات الاتصال، ومصادر الطاقة، ومراكز البيانات، وهو ما يرفع حجم الاستثمارات الرأسمالية لدى كبرى شركات القطاع إلى مستويات غير مسبوقة. وخلال الفترة الماضية، تقبل المستثمرون هذه النفقات المرتفعة انطلاقًا من قناعة بأن الإيرادات المستقبلية ستكون كافية لتبريرها.
لكن هذه القناعة بدأت تتعرض للاختبار
فالسؤال الذي يشغل الأسواق اليوم لم يعد ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغير الاقتصاد العالمي، بل متى ستبدأ هذه الاستثمارات الضخمة في تحقيق عوائد تتناسب مع حجم رؤوس الأموال التي يتم ضخها. ومع الارتفاع الكبير في تقييمات شركات التكنولوجيا، أصبح تجاهل هذا السؤال أكثر صعوبة بالنسبة للمستثمرين.
شركات الرقائق تتحمل العبء الأكبر
انعكس هذا التحول في معنويات المستثمرين بصورة واضحة على أسهم شركات أشباه الموصلات. فقد تراجع مؤشر SOX بما يصل إلى 6% خلال عدة جلسات، ليسجل أداءً أضعف من قطاع التكنولوجيا بشكل عام، مع إعادة المستثمرين تقييم توقعات الأرباح للشركات التي تزود قطاع الذكاء الاصطناعي بالبنية التحتية اللازمة.
ولا تقتصر هذه المخاوف على شركات تصنيع الرقائق وحدها
فشركات مثل ميتا وأمازون تعد من أكبر المشترين عالميًا لمعدات الذكاء الاصطناعي والرقائق المتقدمة.
وأي تباطؤ في وتيرة إنفاق هذه الشركات الرأسمالي سينعكس سريعًا على مختلف حلقات سلسلة الإمداد، بدءًا من شركات تصنيع الرقائق، مرورًا بمزودي معدات الشبكات، ومنتجي رقائق الذاكرة، ووصولًا إلى الشركات المصنعة للمعدات الصناعية. ولهذا، فإن ضعف أداء أسهم أشباه الموصلات لا يعكس بالضرورة مشكلات خاصة بكل شركة، بل يشير إلى تغير توقعات المستثمرين بشأن دورة الاستثمار في منظومة الذكاء الاصطناعي بأكملها.
وفي الوقت نفسه، تضيف المنافسة الصينية عاملًا جديدًا من عدم اليقين
فعلى الرغم من القيود الأمريكية على صادرات التكنولوجيا، تواصل شركات أشباه الموصلات الصينية زيادة استثماراتها، وهو ما يثير تساؤلات طويلة الأجل حول قدرة الشركات العالمية على الحفاظ على حصتها السوقية وقوة التسعير مع تحسن البدائل المحلية في الصين.

المصدر: TradingView
المستثمرون يعيدون تقييم دورة تمويل الذكاء الاصطناعي
بدأت الأسواق أيضًا في طرح تساؤلات أوسع حول استدامة دورة الاستثمار الحالية في قطاع التكنولوجيا. فالمنظومة الحالية للذكاء الاصطناعي تعتمد إلى حد كبير على استمرار أكبر الشركات العالمية في ضخ استثمارات ضخمة بوتيرة متسارعة.
فمزودو الخدمات السحابية يشترون الرقائق المتقدمة، وشركات تصنيع الرقائق توسع طاقتها الإنتاجية، وشركات البنية التحتية تبني مراكز بيانات جديدة، بينما تطلق شركات البرمجيات خدمات ذكاء اصطناعي أكثر تطورًا. وطالما استمر جميع أطراف هذه المنظومة في الاستثمار، تستمر الدورة في دعم نفسها.
لكن الخطر الحقيقي يكمن في احتمال تباطؤ أحد هذه الأطراف
فإذا قررت شركات مثل ميتا أو أمازون أن حجم استثماراتها الحالية أصبح كافيًا، فمن المرجح أن تتراجع توقعات الطلب المستقبلي على الرقائق بصورة سريعة. وعندها ستتعرض توقعات الإيرادات لدى عدد كبير من شركات أشباه الموصلات لضغوط، وهو ما سيدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم الأسعار الحالية التي تفترض استمرار معدلات النمو الاستثنائية لسنوات طويلة. ولا يعني ذلك أن الأسواق تتوقع انهيار الطلب على الذكاء الاصطناعي، وإنما بدأت تعكس احتمال تباطؤ وتيرة هذا النمو مقارنة بالتوقعات السابقة.
الاحتياطي الفيدرالي يضيف عاملًا جديدًا من عدم اليقين
في الوقت نفسه، أصبحت السياسة النقدية أقل دعمًا لأسهم التكنولوجيا. فقد دخل المستثمرون اجتماع الاحتياطي الفيدرالي الأخير على أمل الحصول على إشارات أوضح بشأن مستقبل أسعار الفائدة. لكن مسؤولي البنك المركزي فضلوا الاستمرار في نهجهم القائم على مراقبة البيانات الاقتصادية، دون تقديم مؤشرات واضحة حول ما إذا كانت الخطوة المقبلة ستكون خفضًا للفائدة، أو رفعًا جديدًا، أو استمرارًا في تثبيت السياسة النقدية.
ويمثل هذا الغموض عاملًا مهمًا بالنسبة لمستثمري أسهم النمو
فالقيمة الحالية لهذه الشركات تعتمد بدرجة كبيرة على الأرباح المتوقع تحقيقها خلال السنوات المقبلة، وهو ما يجعلها أكثر حساسية لأي تغير في أسعار الفائدة أو معدلات الخصم. وفي غياب ثقة أكبر بأن تكاليف الاقتراض ستبدأ في الانخفاض، يصبح المستثمرون أقل استعدادًا لدفع التقييمات المرتفعة التي دعمت موجة صعود أسهم الذكاء الاصطناعي خلال الفترة الماضية. ولذلك، يبدو أن ما تشهده الأسواق حاليًا هو تراجع تدريجي في شهية المخاطرة، وليس موجة بيع عشوائية.
التاريخ يذكر المستثمرين بأن الهدوء قد يكون خادعًا
تشير التجارب السابقة إلى أن فترات انخفاض التقلبات قد تخفي في بعض الأحيان مخاطر متراكمة تحت السطح. ففي عامي 2015 وبداية 2018، بدت الأسواق مستقرة إلى حد كبير، رغم تركز الاستثمارات بصورة متزايدة في عدد محدود من القطاعات والأصول.
وعندما تغيرت معنويات المستثمرين، عادت التقلبات بوتيرة أسرع وأقوى مما توقعه كثيرون وتكرر نمط مشابه في بداية عام 2020، عندما حافظت أسواق الأسهم على تماسكها، في الوقت الذي كانت فيه مؤشرات المخاطر ترتفع تدريجيًا، قبل أن يؤدي انتشار جائحة كوفيد-19 إلى موجة تقلبات حادة.
ورغم اختلاف الظروف الحالية، فإن هذه التجارب تذكر المستثمرين بأن الأسواق التي تعتمد بصورة كبيرة على قصة استثمارية واحدة تصبح أكثر عرضة للتقلب عندما تبدأ الشكوك في الظهور حول الفرضيات التي بنيت عليها تلك القصة.
واليوم، يحتل الذكاء الاصطناعي مكانة مشابهة داخل أسواق الأسهم. فلا يزال معظم المستثمرين يؤمنون بالإمكانات طويلة الأجل لهذه التكنولوجيا، لكن الثقة في استمرار وتيرة الاستثمار الحالية لم تعد مطلقة كما كانت قبل أشهر.

المصدر: Leadlag









