الكونتانغو والباكورديشن: ماذا يكشف منحنى العقود الآجلة للمتداولين؟

يكشف الكونتانغو (Contango) والباكورديشن (Backwardation) كيف تسعر أسواق العقود الآجلة العرض والطلب وتكلفة الاحتفاظ بالسلع عبر الزمن. ويساعد فهم الفرق بينهما المتداول على قراءة ظروف السوق، واكتشاف فرص التداول، وفهم التكاليف الخفية التي قد تؤثر في عوائد مراكز العقود الآجلة.

بواسطة Ahmed Azzam | @3zzamous

Contango vs backwardation what futures curves tell traders
  • يحدث الكونتانغو عندما تكون العقود الآجلة بعيدة الاستحقاق أغلى من العقود الأقرب، وغالبًا ما يعكس ذلك تكاليف التخزين والتمويل.

  • يظهر الباكورديشن عندما تتداول العقود القريبة بعلاوة سعرية، وهو ما قد يشير إلى شح فوري في المعروض أو قوة الطلب الحالي.

  • يؤثر شكل منحنى العقود الآجلة في عوائد التداول عبر عائد الترحيل (Roll Yield) حتى إذا بقي السعر الفوري للسلعة مستقرًا نسبيًا.

  • يقدم منحنى العقود الآجلة إشارات مهمة عن المخزونات، وتوقعات السوق، والتغيرات المحتملة في أسعار السلع.

ما الكونتانغو والباكورديشن في تداول العقود الآجلة؟

قد يتفق متداولان في النفط على أن أسعار الخام سترتفع خلال الأشهر المقبلة، ومع ذلك ينتهي كل منهما بعائد مختلف تمامًا. وقد لا يكون السبب خطأ في توقع الاتجاه، وإنما بنية سوق العقود الآجلة نفسها.

لكل عقد آجل تاريخ انتهاء، والعقود التي تغطي أشهر تسليم مختلفة لا تتداول بالضرورة عند السعر نفسه. وعندما تُرتب أسعار هذه العقود وفق تواريخ استحقاقها، نحصل على ما يُعرف باسم منحنى العقود الآجلة (Futures Curve).

يكشف شكل هذا المنحنى كيف تقيم السوق التسليم الفوري مقارنة بالتسليم بعد عدة أشهر. وهنا تظهر حالتان رئيسيتان: الكونتانغو والباكورديشن.

الكونتانغو (Contango) هو الحالة التي تكون فيها أسعار العقود ذات الاستحقاقات البعيدة أعلى من أسعار العقود الأقرب.

أما الباكورديشن (Backwardation) فهو الحالة المعاكسة، إذ تتداول العقود القريبة بسعر أعلى من العقود بعيدة الاستحقاق.

وتكتسب هاتان الحالتان أهمية خاصة في أسواق السلع، حيث تؤثر تكاليف التخزين، والنقل، وأسعار الفائدة، وتوافر المخزون الفعلي في العلاقة بين أسعار العقود ذات تواريخ التسليم المختلفة.

ما الكونتانغو ولماذا يحدث؟

لنفترض أن عقد خام غرب تكساس الوسيط (WTI) للتسليم الشهر المقبل يتداول عند 70 دولارًا للبرميل، بينما يتداول عقد ينتهي بعد ستة أشهر عند 74 دولارًا. هنا يكون منحنى العقود الآجلة صاعدًا، والسوق في حالة كونتانغو.

قد يبدو الفارق البالغ 4 دولارات للوهلة الأولى إشارة إلى أن المتداولين يتوقعون ارتفاع النفط. لكن العلاقة أكثر تعقيدًا.

فالاحتفاظ بالنفط الفعلي يتطلب تكاليف تخزين، وتأمين، وتمويل، ونقل. ولهذا يمكن أن يكون سعر التسليم المستقبلي أعلى بسبب هذه التكاليف من دون أن يعني ذلك بالضرورة أن السوق تتوقع ارتفاع السعر الفوري للنفط بمقدار 4 دولارات.

وغالبًا ما يظهر الكونتانغو عندما تكون الإمدادات الفعلية وفيرة مقارنة بالطلب الفوري. ففي هذه الحالة قد يفضل المنتجون والتجار تخزين النفط بدلًا من بيعه مباشرة، إذا كانت العلاوة في العقود الآجلة كافية لتغطية تكلفة الاحتفاظ بالمخزون.

وتظهر هذه العلاقة بوضوح في سوق النفط لأن طاقة التخزين محدودة وتتطلب بنية تحتية مكلفة. وكلما اقتربت مرافق التخزين من الامتلاء، قد تتسع الفجوة بين أسعار العقود القريبة والبعيدة بصورة ملحوظة.

ما الباكورديشن وماذا يكشف عن السوق؟

الباكورديشن يروي قصة مختلفة عن المعروض الفعلي.

افترض أن عقد النفط الأقرب للاستحقاق يتداول عند 85 دولارًا للبرميل، في حين يتداول عقد الستة أشهر عند 79 دولارًا. هنا يدفع المشترون علاوة قدرها 6 دولارات للحصول على النفط بصورة أسرع.

قد يظهر هذا الوضع عندما تحتاج المصافي إلى الخام فورًا، أو عندما تتراجع المخزونات، أو حين تهدد اضطرابات الإمدادات الكميات المتاحة في المدى القريب. في هذه الظروف، تصبح حيازة المخزون الفعلي أكثر قيمة.

ويصف متداولو السلع هذه الفائدة بمصطلح عائد الملاءمة (Convenience Yield)، أي المنفعة الاقتصادية الناتجة عن امتلاك السلعة وتوافرها عند الحاجة.

فالمصفاة، مثلًا، قد تكون مستعدة لدفع سعر أعلى للحصول على الخام اليوم بدلًا من المخاطرة بتعطل الإنتاج بسبب نقص الإمدادات.

وعادة ما يشير الباكورديشن إلى أن ظروف العرض والطلب الحالية أكثر ضيقًا من الظروف التي تتوقعها السوق في المستقبل. لكن ذلك لا يعني أن أسعار السلع ستنخفض بالضرورة. فقد ترتفع الأسعار الفورية والعقود الآجلة كلها معًا إذا أصبحت أزمة الإمدادات أكثر حدة.

لماذا يهم منحنى العقود الآجلة أكثر من سعر النفط الرئيسي؟

تركز معظم العناوين المالية على سعر عقد النفط الأقرب. وعندما يتداول خام غرب تكساس عند 80 دولارًا للبرميل مثلًا، خصوصًا بعد موجة صعود قوية، يصبح هذا السعر محور الاهتمام.

لكن متداولي السلع المحترفين ينظرون أيضًا إلى الفروق بين أشهر التسليم، لأن هذه العلاقة قد تكشف معلومات لا يظهرها السعر الرئيسي وحده.

لنفترض أن النفط ارتفع من 75 إلى 80 دولارًا، وفي الوقت نفسه اتسعت علاوة العقود القريبة مقارنة بالعقود البعيدة. قد يشير ذلك إلى أن الإمدادات الفورية أصبحت أكثر شحًا مما كانت السوق تتوقع.

أما إذا ارتفع النفط بينما أصبح منحنى العقود أكثر ميلًا نحو الكونتانغو، فقد تكون الرسالة مختلفة، خصوصًا إذا كانت العقود بعيدة الاستحقاق ترتفع بوتيرة أسرع بسبب توقعات الإنتاج أو الطلب المستقبلي أو تكاليف الاحتفاظ بالمخزون.

وتساعد هذه الفروق على تفسير تأثير تقارير المخزونات، وتعطل الإنتاج، وطلب المصافي، والأنماط الموسمية للاستهلاك في فروق العقود، حتى عندما لا يتغير السعر الفوري للنفط بصورة كبيرة.

كيف يؤثر الكونتانغو والباكورديشن في عوائد التداول؟

من أكثر الجوانب التي يتم تجاهلها في تداول العقود الآجلة ما يعرف باسم عائد الترحيل (Roll Yield)، وهو الأثر الذي ينشأ مع تحرك أسعار العقود على طول منحنى العقود الآجلة كلما اقتربت من تاريخ الاستحقاق.

المتداول الذي يريد الاحتفاظ بتعرض مستمر للسلعة لا يمكنه الإبقاء على العقد نفسه إلى الأبد. ففي مرحلة معينة، يجب إغلاق العقد الذي يقترب من الانتهاء وفتح مركز جديد في عقد أبعد استحقاقًا. وتعرف هذه العملية باسم ترحيل العقد (Rolling).

في حالة الكونتانغو، يبيع المتداول صاحب المركز الشرائي عادة العقد القريب الأرخص ثم ينتقل إلى عقد أبعد بسعر أعلى. وإذا بقي منحنى العقود صاعدًا ولم تتغير الظروف الأخرى، يميل سعر العقد الجديد إلى التراجع تدريجيًا مع اقترابه من تاريخ الاستحقاق. وهذا يخلق أثر ترحيل سلبيًا على العائد.

أما في حالة الباكورديشن، فقد يحدث العكس. ينتقل المتداول من عقد قريب مرتفع السعر إلى عقد أبعد أرخص. وإذا استمر الباكورديشن، فقد يرتفع سعر العقد الجديد مع اقترابه من الاستحقاق، وهو ما يضيف عائد ترحيل إيجابيًا للمركز.

ومن المهم فهم أن شراء عقد أغلى أثناء عملية الترحيل لا يعني تسجيل خسارة نقدية فورية مساوية للفارق بين السعرين. الأثر الاقتصادي يظهر تدريجيًا مع تحرك أسعار العقود بعد ذلك.

كما أن العائد النهائي يتأثر بتغير شكل المنحنى بالكامل، وتكاليف المعاملات، والعائد على الضمانات النقدية، واتجاه السوق نفسه.

لماذا قد يختلف أداء صناديق النفط عن حركة سعر النفط؟

لا يقتصر تأثير عائد الترحيل على حسابات المتداولين المحترفين في العقود الآجلة.

فبعض الصناديق المتداولة التي توفر تعرضًا للسلع تعتمد على العقود الآجلة بدلًا من الاحتفاظ بالسلعة الفعلية. ولهذا قد يختلف أداؤها بصورة كبيرة عن حركة السعر الفوري للنفط.

قد يتوقع المستثمر بصورة صحيحة أن يبقى النفط مستقرًا أو يرتفع بشكل طفيف، ومع ذلك يحقق الصندوق المعتمد على العقود الآجلة أداء أضعف بسبب استمرار الكونتانغو وتأثير الترحيل السلبي.

وفي المقابل، قد يوفر الباكورديشن دعمًا إضافيًا للمراكز الشرائية المعتمدة على العقود الآجلة، من دون ضمان تحقيق الأرباح. فسعر النفط نفسه، وشكل المنحنى، وتكاليف الصندوق، والعقود التي يختارها كلها عوامل تؤثر في النتيجة النهائية.

وفهم هذه النقطة مهم بشكل خاص للمستثمر الذي يعتزم الاحتفاظ بصندوق سلعي فترة طويلة، لأن العائد قد يختلف عن مجرد متابعة السعر الفوري للسلعة.

انهيار النفط في 2020: عندما أصبحت مساحة التخزين أغلى من الخام

شهدت أسواق العقود الآجلة واحدة من أكثر اللحظات استثنائية في تاريخها يوم 20 أبريل 2020، عندما أغلق عقد خام غرب تكساس لشهر مايو عند سالب 37.63 دولار للبرميل.

كانت جائحة كورونا قد أدت إلى انهيار غير مسبوق في الطلب على النفط، بينما استمر الإنتاج، وبدأت مرافق التخزين تقترب من حدودها القصوى. ومع اقتراب العقد من الاستحقاق، سارع المتداولون غير القادرين أو غير الراغبين في استلام النفط الفعلي إلى التخلص من مراكزهم.

وأدى ذلك إلى اختلال استثنائي في أسعار العقود القريبة.

وأظهرت تلك الأزمة كيف يمكن لالتزامات التسليم، وقدرة التخزين، وتوقيت انتهاء العقود أن تتغلب على الافتراضات التقليدية حول قيمة السلعة.

وكان الدرس للمتداولين أوسع من مجرد رؤية سعر نفط سلبي. فمنحنى العقود الآجلة يحمل معلومات عن السوق الفعلية قد تصبح حاسمة عندما تتعرض سلاسل الإمداد لضغوط شديدة.

كيف يستخدم المتداولون الكونتانغو والباكورديشن في استراتيجياتهم؟

يمكن لمنحنيات العقود الآجلة أن تدعم عدة أساليب لتحليل السوق، خصوصًا عند دمجها مع بيانات المخزونات ودراسة العرض والطلب.

فالمتداول الذي يتوقع تفاقم نقص النفط قد يراقب ما إذا كانت علاوة العقود القريبة ترتفع مقارنة بالعقود البعيدة. ويمكن التعبير عن هذه الرؤية من خلال فروق العقود الزمنية (Calendar Spreads)، التي تعتمد على شراء عقد لشهر معين وبيع عقد لشهر آخر.

فعلى سبيل المثال، شراء العقد القريب وبيع عقد أبعد يخلق مركزًا يستفيد من اتساع علاوة العقود القريبة. وقد يحقق المركز أرباحًا إذا تعمق الباكورديشن، لكنه قد يخسر إذا تقلص الفارق بين العقدين.

كما يمكن للكونتانغو أن يخلق فرصًا لتجار السلع الفعلية القادرين على شراء المخزون وتخزينه ثم بيع العقود الآجلة مقابله. وتصبح هذه الاستراتيجية مجدية اقتصاديًا عندما تكون العلاوة المضمونة في سعر العقد الآجل أعلى من تكاليف التخزين، والتمويل، والتأمين، وغيرها من النفقات.

لكن هذه الاستراتيجيات تحمل مخاطر مهمة، تشمل تغير فروق الأسعار، ومتطلبات الهامش، وتعقيدات التسليم غير المتوقعة، ومخاطر السيولة.

هل يعني الكونتانغو هبوط الأسعار والباكورديشن ارتفاعها؟

من المفاهيم الخاطئة الشائعة أن الكونتانغو يعني سوقًا هابطة، وأن الباكورديشن يضمن ارتفاع الأسعار.

الواقع أكثر تعقيدًا.

فمنحنى العقود الآجلة يصف العلاقة بين الأسعار عبر تواريخ التسليم المختلفة. صحيح أن توقعات السوق تؤثر فيه، لكنه ليس توقعًا مباشرًا للسعر الفوري في المستقبل.

قد يتداول الذهب، مثلًا، في حالة كونتانغو لأن تكاليف التمويل والاحتفاظ ترفع أسعار العقود الآجلة، حتى أثناء اتجاه صاعد قوي.

وقد يبقى النفط في حالة باكورديشن بينما تنخفض الأسعار الفورية، إذا ظلت الإمدادات الحالية أكثر شحًا من الإمدادات التي تتوقع السوق توافرها في الأشهر المقبلة.

وهذا الفارق أساسي. فعند تحليل منحنى العقود الآجلة، يجب النظر إلى اتجاه السعر نفسه، وفروق العقود، والمخزونات، وظروف التمويل، والعوامل الاقتصادية المؤثرة في العرض الفعلي معًا.

أفضل قراءة للسوق تأتي من فهم التفاعل بين هذه العناصر، لا من الاعتماد على شكل المنحنى وحده.

ماذا يكشف منحنى العقود الآجلة للمتداول في النهاية؟

يمنح الكونتانغو والباكورديشن المتداول رؤية لا يقدمها الرسم التقليدي للسعر وحده. فهما يكشفان كيف تتغير قيمة الوقت والمخزون والحصول الفوري على السلعة داخل السوق.

قد يشير المنحنى الصاعد إلى تكاليف الاحتفاظ، أو وفرة المعروض، أو توقعات بأن تصبح الظروف أكثر ضيقًا في المستقبل. أما المنحنى المقلوب، فيعكس غالبًا العلاوة التي يضعها السوق على المخزون القريب بسبب ندرته.

وكلا الهيكلين قابل للتغير بسرعة مع تغير الظروف الاقتصادية.

وبالنسبة إلى المتداول، يضيف فهم منحنى العقود الآجلة بعدًا آخر لتحليل السلع. فهو يساعد على تفسير لماذا قد تنتج تحركات متشابهة في سعر النفط عوائد مختلفة للمستثمرين، وكيف تعيد صدمات العرض تشكيل السوق، ولماذا تكون العلاقة بين أشهر العقود أحيانًا بنفس أهمية اتجاه السعر نفسه.

الأسئلة الشائعة

ما الفرق الرئيسي بين الكونتانغو والباكورديشن؟

الكونتانغو يعني أن العقود الآجلة بعيدة الاستحقاق أغلى من العقود القريبة، بينما يعني الباكورديشن أن العقود القريبة تتداول بعلاوة مقارنة بالعقود البعيدة.

ليس بالضرورة أيًا منهما. فهو يصف بنية أسعار العقود الآجلة، وغالبًا ما يتأثر بتكاليف التخزين والتمويل وظروف العرض.

قد يوفر عائد ترحيل إيجابيًا للمراكز الشرائية، لكن حركة سعر السلعة نفسها قد تكون أكبر من هذا الأثر وتحدد النتيجة النهائية.

هو الأثر على العائد الناتج عن تحرك أسعار العقود الآجلة واقترابها من السعر الفوري مع اقتراب تاريخ الاستحقاق.