رهانات رفع الفائدة من المركزي الأوروبي ترتفع مع عودة مخاطر التضخم
يواجه البنك المركزي الأوروبي اختبارًا تضخميًا جديدًا مع إعادة التوترات الجيوسياسية في إيران أسواق الطاقة إلى الواجهة، وإحياء ذكريات صدمة الأسعار التي ضربت أوروبا في 2022. عضو مجلس المحافظين بيتر كازيمير قال إن ردًّا في السياسة النقدية قد يكون أقرب مما تفترضه الأسواق، فيما شددت الرئيسة كريستين لاغارد على أن البنك لن يسمح للتوترات الأخيرة بأن تتحول إلى موجة تضخم جديدة تضرب منطقة اليورو.
بيتر كازيمير قال إن مخاطر التضخم الصعودية أصبحت الآن هي المهيمنة بوضوح على المشهد
حذّر من أن الشركات والعمال قد يتفاعلون مع ارتفاع التكاليف بسرعة أكبر مما حدث في 2022
كريستين لاغارد قالت إن المركزي الأوروبي بات في وضع أفضل لامتصاص صدمة طاقة جديدة
خفض الفائدة لم يعد مطروحًا عمليًا في الوقت الحالي، حتى لو لم يكن رفع الفائدة وشيكًا بعد
التضخم يعود إلى قلب النقاش
يجد البنك المركزي الأوروبي نفسه مرة أخرى أمام احتمال انتقال صدمة طاقة خارجية إلى تضخم أوسع داخل الاقتصاد، مع تبنّي المسؤولين لهجة أكثر حذرًا تجاه أسعار الفائدة بعد أن أعادت الحرب في إيران اضطراب الأسواق.
وقال بيتر كازيمير إن أثر الصراع على الأسعار قد يدفع البنك إلى رفع تكاليف الاقتراض في وقت أقرب مما كانت تتوقعه الأسواق. ورغم أنه رأى أنه لا توجد حاجة للتحرك في اجتماع الأسبوع المقبل، فإنه أوضح أن ميزان المخاطر تحوّل بوضوح إلى الاتجاه الصعودي، وأن صناع السياسة يجب أن يبقوا مستعدين للتحرك بسرعة إذا اقتضت الحاجة.
كازيمير: نافذة خفض الفائدة أُغلقت
جاءت رسالة كازيمير أكثر تشددًا بكثير مما كانت تسعّره الأسواق قبل أسابيع قليلة فقط. وقال إن الحديث عن هبوط التضخم دون المستوى المستهدف لم يعد منطقيًا، مضيفًا أن أي نقاش بشأن خفض إضافي للفائدة أصبح خارج الطاولة بالكامل.
قلقه لا يتعلق فقط بارتفاع أسعار الطاقة في العناوين الرئيسية. من وجهة نظره، يكمن الخطر الأعمق في أن الشركات، بعد أن عاشت موجة التضخم الأخيرة، قد تمرر ارتفاع تكاليفها إلى المستهلكين بسرعة أكبر، وأن العمال قد يطالبون بزيادات في الأجور بوتيرة أسرع مما فعلوا سابقًا. وهذا تحديدًا هو النوع من التأثيرات الثانوية الذي تخشاه البنوك المركزية، لأنه قادر على تحويل صدمة مؤقتة إلى دورة تضخمية أكثر رسوخًا.

المصدر: بلومبيرغ
الأسواق تعيد التفكير في مسار المركزي الأوروبي
المستثمرون بدأوا بالفعل في تعديل توقعاتهم. فقد اتجه المتداولون أخيرًا إلى تسعير احتمال رفع الفائدة من البنك المركزي الأوروبي بحلول يونيو أو ما بعده، مدفوعين بالخشية من أن تؤدي الزيادة في أسعار النفط والغاز المرتبطة بصراع الشرق الأوسط إلى تأخير مسار تراجع التضخم، أو حتى قلبه.
صحيح أن هذه التوقعات هدأت جزئيًا بعد أن لمح دونالد ترامب إلى أن الحرب قد تنتهي قريبًا، لكن مجرد إعادة التسعير بحد ذاتها تكشف مدى هشاشة صورة أسعار الفائدة. وقد حافظ اليورو على مكاسبه بعد تصريحات كازيمير، في إشارة إلى أن الأسواق تأخذ بجدية احتمال عودة البنك إلى نبرة أكثر تشددًا.
لاغارد أكثر هدوءًا... لكن ليست أكثر ليونة
قدمت كريستين لاغارد رسالة أكثر توازنًا، لكنها لم تكن متساهلة. فقد قالت إن المركزي الأوروبي سيتأكد من أن الحرب في إيران لن تفرض على أوروبا الضرر التضخمي نفسه الذي أعقب الغزو الروسي لأوكرانيا.
وترى لاغارد أن منطقة اليورو أصبحت الآن في وضع أقوى مما كانت عليه في 2022، مع قدرة أكبر على امتصاص الصدمات وإطار سياسة أكثر مرونة. لكنها أقرت في الوقت نفسه بأن البيئة الحالية تتسم بدرجة استثنائية من عدم اليقين والتقلب، ما يجعل القرارات المتسرعة محفوفة بالمخاطر.
وأوضحت أن صناع السياسة لن يتسرعوا في اتخاذ خطوة خلال اجتماع مارس، مؤكدة أن البنك يحتاج أولًا إلى تقييم تطور الظروف. لكنها شددت أيضًا على أن كل الخيارات ما تزال مطروحة، بما في ذلك رفع الفائدة إذا تبيّن أن ضغوط الأسعار أكثر دوامًا مما يُعتقد حاليًا.
المركزي الأوروبي يجهّز نفسه لعدة سيناريوهات
الاجتماع المقبل للمركزي الأوروبي سيأتي مصحوبًا بتوقعات فصلية جديدة، لكن حتى هذه التقديرات قد تصبح قديمة بسرعة إذا بقيت أسواق الطاقة متقلبة. وأشارت لاغارد إلى أن البنك قد يعود للاعتماد على سيناريوهات متعددة بدلًا من الاكتفاء بحالة أساسية واحدة، في دلالة على مدى سيولة المشهد الحالي.
هذا النهج يعكس بنكًا مركزيًا يحاول تفادي أخطاء الصدمة التضخمية السابقة، حين فرضت الظروف الخارجية المتحركة على صناع السياسة ملاحقة التطورات بدل استباقها. هذه المرة، يبدو المسؤولون مصممين على الحفاظ على هامش المناورة، والتحرك بسرعة أكبر إذا بدأت ضغوط الأسعار في الاتساع.
مخاوف النمو قائمة... لكن الأولوية تعود إلى التضخم
حتى مع تجدد التهديد التضخمي، لا يبدو مسؤولو المركزي الأوروبي مستعدين بعد لتبنّي رواية "الركود التضخمي". فقد قال كازيمير إنه لا يزال متفائلًا نسبيًا تجاه النمو، ولا يشعر بقلق مفرط من احتمال استمرار مزيج من النشاط الضعيف والتضخم المرتفع لفترة طويلة.
ومع ذلك، حذّر الحكومات من العودة إلى الوصفة القديمة المتمثلة في دعم مالي واسع النطاق لحماية الأسر والشركات من ارتفاع تكاليف الطاقة. وبرأيه، فإن مثل هذه الإجراءات تكون غالبًا باهظة الكلفة، وضعيفة الاستهداف، وتغذي التضخم بنفسها. وأي دعم، كما قال، ينبغي أن يكون محدودًا ومؤقتًا.
الرسالة النقدية بدأت تتغير
إذا جُمعت تصريحات كازيمير ولاغارد معًا، فإن الصورة التي تظهر هي لبنك مركزي لا يعيش حالة ذعر، لكنه بات أقل راحة بكثير مما كان عليه قبل أسابيع.
البنك ليس مستعدًا لرفع الفائدة الأسبوع المقبل، ولاغارد لا تزال تدعو إلى التريث. لكن النبرة تغيرت بوضوح. الرسالة الآن هي أن المركزي الأوروبي لن يفترض أن معركة التضخم انتهت لمجرد أن الأسعار كانت قد عادت إلى الهدف قبل الصدمة الجيوسياسية الأخيرة. وإذا بدأت تكاليف الطاقة تتسلل إلى الأجور وهوامش الأرباح وأسعار المستهلكين على نطاق أوسع، فإن البنك مستعد للتحرك من جديد.

المصدر: بلومبيرغ
وهذا يعني أن النقاش في فرانكفورت لم يعد يدور حول موعد استئناف التيسير. بل أصبح يقترب أكثر فأكثر من سؤال مختلف: إلى أي مدى بات المركزي الأوروبي قريبًا من تشديد جديد إذا تحولت أزمة الشرق الأوسط من صدمة سوق إلى مشكلة تضخم حقيقية؟