بنك إنجلترا بين تباطؤ النمو وتصاعد مخاطر التضخم
تتجه الأنظار إلى قرار بنك إنجلترا اليوم، حيث تتوقع الأسواق على نطاق واسع تثبيت أسعار الفائدة عند 3.75%. وقبل أسابيع قليلة فقط، كانت التوقعات تميل نحو خفض قريب للفائدة إلى 3.50%، إلا أن هذا التوجه تغير بسرعة مع عودة المخاوف التضخمية.
ارتفع عدد العاملين بمقدار 84 ألفًا ليصل إلى 34.31 مليون خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في يناير 2026.
لم يعد البنك المركزي في وضع تشديد السياسة، لكنه أيضًا ليس مستعدًا بعد للبدء في التيسير.
لا يحمل قرار اليوم مفاجآت كبيرة، إلا أن نبرة التوجيه المستقبلي ستكون العامل الحاسم في تحديد مسار السياسة النقدية في المملكة المتحدة خلال الفترة المقبلة.
سوق العمل يظهر مرونة متباينة
تضيف بيانات سوق العمل الأخيرة بُعدًا إضافيًا للنقاش حول السياسة النقدية. فقد ارتفع عدد العاملين بمقدار 84 ألفًا ليصل إلى 34.31 مليون خلال الأشهر الثلاثة حتى يناير 2026، متجاوزًا التوقعات التي كانت تشير إلى تراجع، ومسجلًا أقوى نمو في الوظائف منذ أواخر الصيف. وشملت الزيادات الوظائف بدوام كامل وجزئي، ما يشير إلى أن سوق العمل لا يزال متماسكًا ظاهريًا.
إلا أن الصورة الكاملة تبدو أكثر تعقيدًا. فقد استقر معدل البطالة عند 5.2%، وهو أعلى مستوى منذ أوائل 2021، بينما ارتفع عدد العاطلين بمقدار 37 ألفًا ليصل إلى 1.869 مليون. والأكثر أهمية أن الزيادة تركزت بين العاطلين لفترات طويلة، ما يشير إلى تراكم تدريجي للضعف في سوق العمل.
بالنسبة لصناع السياسة، يعكس هذا التباين حالة مزدوجة؛ إذ يشير النمو القوي في التوظيف إلى مرونة نسبية، بينما يدل ارتفاع البطالة طويلة الأجل على تدهور تدريجي في الأساسيات. وهذا بدوره يقلل من مخاطر التضخم المدفوع بالأجور، لكنه في الوقت نفسه يعكس تباطؤ الزخم الاقتصادي.

المصدر: مكتب الإحصاءات الوطنية
توقعات الفائدة ومسار السياسة النقدية
كان التغير السريع في توقعات أسعار الفائدة من أبرز التحولات خلال الأسابيع الأخيرة. ففي بداية العام، كانت الأسواق واثقة من بدء خفض الفائدة قريبًا، مع ترجيح قوي للوصول إلى 3.50%. إلا أن هذه الثقة تراجعت مع ارتفاع أسعار الطاقة وعودة مخاطر التضخم.
ورغم أن معظم الاقتصاديين لا يزالون يتوقعون التيسير خلال عام 2026، فإن توقيته وسرعته أصبحا أقل وضوحًا. فإذا أثبت التضخم أنه أكثر استمرارية، خصوصًا نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز، فقد يؤجل بنك إنجلترا خفض الفائدة أو ينفذه بوتيرة أبطأ. أما في حال ضعف النمو بشكل أكبر واستمرار تراجع سوق العمل، فقد تعود الضغوط نحو التيسير بوتيرة أسرع.
تشير تسعيرات الأسواق الحالية إلى توقع دورة تيسير تدريجية، مع تسعير خفض يتراوح بين مرة إلى مرتين خلال النصف الثاني من 2026، إذا بقيت الظروف دون تغيير كبير. وعلى المدى الأبعد، تميل التوقعات لعام 2027 إلى خفض تراكمي يتراوح بين 75 و100 نقطة أساس، مع بقاء هذا المسار مرهونًا بتطورات التضخم.
ويضع ذلك السياسة النقدية في حالة انتظار وترقب. فالبنك المركزي لم يعد في مرحلة التشديد، لكنه أيضًا غير مستعد للتيسير، ويفضل مراقبة البيانات عن كثب قبل اتخاذ أي خطوة. وبالنسبة للأسواق، يكمن الخطر في استمرار تغير التوقعات مع صدور بيانات جديدة، مما يجعل مسار الفائدة غير ثابت.
محاولة التوازن في المرحلة المقبلة
يدخل الاقتصاد البريطاني مرحلة تتجاذب فيها قوى متعارضة. فمن جهة، يدعم تراجع التضخم ومؤشرات تباطؤ سوق العمل احتمالات خفض الفائدة مستقبلًا. ومن جهة أخرى، تعيد أسعار الطاقة المرتفعة وعدم اليقين الجيوسياسي طرح مخاطر صعودية على التضخم.
بالنسبة لبنك إنجلترا، يعني ذلك ضرورة الحفاظ على مرونة السياسة النقدية. إذ إن تثبيت الفائدة عند 3.75% يمنح صناع القرار الوقت لتقييم ما إذا كانت الضغوط التضخمية الحالية مؤقتة أم أكثر استدامة.
أما بالنسبة للأسواق، فالرسالة واضحة: الطريق نحو خفض الفائدة لم يعد مباشرًا كما كان متوقعًا. ومن المرجح أن تستمر التوقعات في التغير مع تدفق البيانات، في حين ستلعب اتصالات البنك المركزي دورًا محوريًا في تشكيل توجهات المستثمرين.
وفي هذا السياق، قد لا يحمل قرار اليوم مفاجآت كبيرة، لكن نبرة التوجيه المصاحبة له قد تكون العامل الأهم في تحديد اتجاه السياسة النقدية وتوقعات الأسواق خلال الأشهر المقبلة.

المصدر: بنك إنجلترا