الفضة تحت الضغط، والقادم هو الأهم
شهدت الفضة ارتفاعاً قياسياً، وصدمة حادة في العرض، وانهيار يوم واحد تاريخياً، كل ذلك في غضون أسابيع. والآن، مع بداية الربع الثاني، بدأ التداخل يتعمق بين الظروف الجيوسياسية والسياسات والتوجهات، مما يجعل التوقعات أقل وضوحاً.
سجلت الفضة أكبر انخفاض يومي لها منذ عام 1980، متراجعة بنسبة 26%.
لا يزال الطلب الصناعي قويًا، مع ارتفاع تركيبات الألواح الشمسية بنسبة 18% على أساس سنوي في بداية 2026.
وقف إطلاق نار مستدام وتقدم في المفاوضات قد يخففان الضغوط، ما يسمح لسوق الفضة بالاستقرار وربما تكوين قاع.
ارتفاع تحت ضغط
افتتحت الفضة العام الحالي عند 72.17 دولارًا للأونصة، ثم ارتفعت إلى مستوى قياسي بلغ 121.62 دولارًا للأونصة، مسجلةً مكسبًا قدره 68.52% في شهر يناير وحده. ويعود هذا الارتفاع إلى صدمة في العرض العالمي، بعد أن فرضت الصين قيودًا على تراخيص التصدير، ما حدّ من الشحنات إلى مجموعة صغيرة من الشركات المعتمدة من الدولة، وأدى إلى تهميش مئات المصدرين الصغار بشكل ملموس.
في الوقت نفسه، زاد تصنيف الفضة كمعدن حيوي في الولايات المتحدة من حالة عدم اليقين في السوق، مما أثار مخاوف بشأن الرسوم الجمركية المحتملة على الواردات. وارتفع الطلب الفعلي بشكل كبير، مع تدفق كميات هائلة إلى خزائن مرتبطة ببورصة كومكس في نيويورك. وقد أدى ذلك إلى استنزاف مخزونات رابطة سوق لندن للسبائك (LBMA)، ودفع أسعار التأجير إلى مستويات قياسية، وتسبب في اضطراب مؤقت في سوق المعادن الملموسة.
إلا أن هذا الارتفاع قد تراجع بشكل حاد. ففي 30 يناير، سجلت الفضة أكبر تراجع يومي لها منذ عام 1980، حيث انخفضت بنسبة 26%. ومنذ ذلك الحين، دخلت الأسعار مرحلة تذبذب ضمن نطاق محدد. وفي ظل الصراع الأمريكي الإسرائيلي الإيراني المستمر، لا تزال التقلبات مرتفعة، لكن المكاسب الإجمالية تراجعت، حيث ارتفعت الفضة بنحو 5% منذ بداية العام.
الفضة بين مطرقة الظروف الجيوسياسية وسندان شح الإمدادات
يدخل سوق الفضة الربع الثاني من العام في نقطة حرجة، وذلك في أعقاب إعلان الرئيس ترامب عن وقف إطلاق نار مشروط لمدة أسبوعين مع إيران في 7 أبريل 2026. ولهذا التطور آثار فورية ومعقدة على الفضة، التي يتم تداولها حاليًا عند حوالي 76 دولارًا للأونصة.
تُعدّ إعادة فتح مضيق هرمز شرطاً أساسياً لوقف إطلاق النار. وإذا ما عادت حركة المرور عبر هذا المضيق إلى طبيعتها، فمن المتوقع أن يُخفّض ذلك تكاليف النقل العالمية ويُقلّل من علاوة "الندرة المادية" التي دفعت أسعار الفضة والنفط إلى الارتفاع في الربع الأول من العام.
في الوقت نفسه، لا تزال العوامل الأساسية للسوق متماسكة. ويتوقع معهد الفضة أن يسجل السوق عجزًا سنويًا سادسًا على التوالي في عام 2026، بنقص يبلغ حوالي 67 مليون أونصة. ويستمر شح المعروض الفعلي في لندن، واستمرار تدفقات الفضة إلى المنتجات المتداولة في البورصة، مع وصول الحيازات العالمية إلى ما يقارب 1.31 مليار أونصة اعتبارًا من فبراير 2026، فضلًا عن الطلب الصناعي القوي، في دعم هذا الخلل. وفي هذا السياق، قد يسمح انخفاض حدة التوتر في الربع الثاني باستئناف ارتفاع أسعار الفضة، مع انحسار ضغوط البيع المرتبطة بطلبات تغطية الهامش وحالات الذعر. إلا أن تجدد التوتر من شأنه أن يؤثر سلبًا على الزخم ويعطل الاتجاه الصعودي الذي شهدناه خلال العامين الماضيين.
وبغض النظر عن الظروف الجيوسياسية، يبقى الطلب الصناعي قوياً. فقد ارتفعت تركيبات الألواح الشمسية بنسبة 18% على أساس سنوي في أوائل عام 2026، في حين من المرجح أن تُبقي ضوابط التصدير الصينية المستمرة على المواد الحيوية على شحّ الإمدادات المادية بغض النظر عن التطورات في الشرق الأوسط.
تشكل هذه العوامل مجتمعة أساساً داعماً للفضة من منظور الاقتصاد الكلي مع دخولنا الربع الثاني.
ما الذي يدفع سعر الفضة الآن؟
استمرار ارتفاع أسعار الفائدة يُؤثر سلبًا على مشاعر المستثمرين
أبقى الفيدرالي أسعار الفائدة عند مستوى يتراوح بين 3.50% و3.75% في منتصف مارس، مُحافظًا على سياسته النقدية التشديدية. إلى جانب بيانات مؤشر أسعار المنتجين التي جاءت أقوى من المتوقع، أدى ذلك إلى تراجع حاد في المضاربات. كما انخفض سعر الفضة بأكثر من 10% خلال الأسبوع الذي بدأ في 20 مارس، نتيجةً للتصفية السريعة للمراكز المُثقلة بالديون والمراكز القائمة على الزخم.
بينما استقر مؤشر أسعار المستهلكين عند 2.4% على أساس سنوي في فبراير، دون تغيير عن يناير، ارتفع مؤشر أسعار المنتجين إلى 3.4% من 2.9%، مما يشير إلى تجدد ضغوط التضخم. وهذا يزيد من احتمالية بقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، الأمر الذي قد يؤثر سلبًا على الفضة مقارنةً بسندات الخزانة الأمريكية.
الرسوم الجمركية والتوترات التجارية تُفاقم حدة التوترات
بعيدًا عن الظروف الجيوساسية، أصبحت الرسوم الجمركية وضوابط التصدير محركًا رئيسيًا لأسواق الفضة في الربع الثاني. ففي 25 فبراير 2026، فرضت الولايات المتحدة رسومًا جمركية عالمية على الواردات بنسبة 15% بموجب المادة 122 من قانون التجارة. وتشير بعض الدلائل إلى إمكانية رفع الرسوم الجمركية إلى 25% بحلول 1 يونيو للدول التي لا تستوفي شروطًا استراتيجية محددة.
وقد تخضع منتجات الفضة الصينية لرسوم جمركية إضافية تتراوح بين 7.5% و25%، في حين يدرس الاتحاد الأوروبي اتخاذ إجراءات انتقامية قد تشمل الفضة أيضاً. وتُضيف هذه التطورات مزيداً من الغموض إلى عملية التسعير والتدفقات التجارية.
الطلب على الطاقة الشمسية أمام تحدي إيجاد بدائل
لا يزال الطلب الهيكلي قويًا، لكن بدأت تهب رياح بما لا تشتهي السفن. يتوقع محللو بلومبيرغ انخفاض استخدام الفضة في وحدات الطاقة الشمسية بنسبة 7% ليصل إلى 194 مليون أونصة في عام 2026، مدفوعًا بالتحول نحو التقنيات القائمة على النحاس.
إن ارتفاع التكاليف واستمرار "الترشيد" في جميع أنحاء القطاع يسرعان هذا التحول، مما يخلق حداً محتملاً لنمو الطلب على المدى الطويل.
تراجع حاد في المراكز المفتوحة
بلغت المراكز المفتوحة في عقود الفضة الآجلة في بورصة كومكس ذروتها عند 156,637 عقدًا في الأسبوع الذي بدأ في 27 يناير، قبل أن تنخفض بشكل حاد بعد انخفاض الأسعار في 30 يناير. وبحلول 3 فبراير، انخفضت المراكز المفتوحة إلى 143,180 عقدًا، أي بانخفاض قدره 8.6% في أسبوع واحد فقط.
استمر هذا الاتجاه خلال الربع الأول، حيث انخفض إلى 133,641 بحلول 10 فبراير، ثم إلى 125,454 بحلول 24 فبراير، وأخيراً إلى 113,164 بحلول 24 مارس. ويمثل هذا انخفاضاً بنسبة 27.7% عن ذروة يناير، مما يؤكد تصفية واسعة النطاق للمراكز عقبت الارتفاع.
وقد لوحظ نمط مماثل في الصين. فقد سجلت بورصة شنغهاي للعقود الآجلة انخفاضاً في يوم واحد بلغ 58754 عقداً في 3 فبراير، مما يعكس انخفاض المديونية العالمية إلى جانب زيادات الهامش وحدود التحوط الأكثر صرامة.
التقلبات مرتفعة رغم الطلب القوي
شهدت التقلبات ارتفاعاً حاداً في الربع الأول. وارتفع سعر الفضة إلى 121.62 دولاراً للأونصة في 29 يناير قبل أن يتراجع بأكثر من 33% إلى 76 دولاراً للأونصة في اليوم التالي، مدفوعاً بتوقعات الاحتياطي الفيدرالي وعمليات التصفية القسرية للمراكز.
رداً على ذلك، رفعت بورصة شيكاغو التجارية متطلبات الهامش عدة مرات في أوائل فبراير، بينما فرض سوق شنغهاي للمعادن هوامش تتراوح بين 19 و22% وسقوفًا سعرية بنسبة 20% بحلول 4 فبراير. وقد ارتفع كل من التقلب الفعلي والضمني بشكل ملحوظ مقارنةً بالربع الرابع من عام 2025.
على الرغم من ذلك، ظل النشاط قويًا. فقد تركز حوالي 70% من حجم التداول في بورصة شنغهاي للعقود الآجلة في عقود الشهر الأول في أوائل فبراير، بينما ظل الطلب الفعلي والاستثماري مرتفعًا في رابطة سوق لندن للسبائك (LBMA) وبورصة السلع المتعددة الهندية (MCX). يشير هذا إلى أن الطلب الأساسي لا يزال قويًا، حتى بعد مرحلة التصفية التي أعقبت الانهيار.
الظروف الجيوساسية تبقى الخطر الرئيسي
ويظل الصراع الأمريكي الإسرائيلي الإيراني عامل الخطر الأكبر مع دخولنا الربع الثاني من العام. وقد يؤدي أي تصعيد إضافي إلى تجدد عمليات تقليص الرافعة المالية في قطاع المعادن النفيسة، مما قد يُفضي إلى مزيد من عمليات التصفية والضغوط هبوطية.
من ناحية أخرى، فإن وقف إطلاق النار المستمر والتقدم في المفاوضات من شأنه أن يخفف الضغط، مما يسمح لسوق الفضة بالاستقرار وربما إيجاد أدنى مستوى لها.