عوائد السندات العالمية تبلغ أعلى مستوياتها منذ الأزمة المالية… والأسواق تعيد تسعير المخاطر من جديد

قفزت عوائد السندات الحكومية طويلة الأجل حول العالم إلى مستويات لم تُسجَّل منذ الأزمة المالية العالمية، مع إعادة المستثمرين النظر في حجم العائد الذي يريدونه مقابل الاحتفاظ بالاستحقاقات الطويلة في بيئة تتسم بارتفاع أسعار الطاقة، واستمرار مخاطر التضخم، واتساع الضغوط المالية على الحكومات. ما بدأ كصدمة نفطية تحوّل الآن إلى موجة إعادة تسعير أوسع للطرف الطويل من السوق.

بواسطة Ahmed Azzam | @3zzamous

Copied
Global bond yields hit their highest levels since the financial crisis
  • عوائد السندات الحكومية طويلة الأجل عالميًا صعدت إلى أعلى مستوياتها منذ 2008.

  • ارتفاع النفط، ومخاوف التضخم، وزيادة الاقتراض الحكومي، كلها تدفع موجة البيع الحالية.

  • مؤشر السندات العالمية طويلة الأجل تراجع 4.6% هذا العام بعدما كان في المنطقة الإيجابية بقوة في أواخر فبراير.

  • العوائد قد تواصل الصعود ما لم تهدأ صدمة الشرق الأوسط.

السندات الطويلة تحت الضغط من جديد

لم تعد موجة البيع في السندات الحكومية طويلة الأجل قصة أميركية فقط. ما يجري الآن تحوّل إلى حركة عالمية واسعة، تدفع العوائد إلى مستويات تعود بالذاكرة إلى زمن الأزمة المالية العالمية.

متوسط عوائد الديون السيادية التي تستحق خلال عشر سنوات أو أكثر صعد إلى أعلى مستوى له منذ يوليو 2008، في إشارة واضحة إلى أن المستثمرين باتوا يطلبون تعويضًا أكبر للاحتفاظ بالسندات الأطول أجلًا. والسوق هنا لا تعيد تسعير عامل واحد فقط، وإنما تضخمًا أكثر صلابة، ومخاطر مالية أعلى، وضبابية أوسع في مسار السياسات.

والأهم أن القناعة ما تزال ضعيفة بأن هذا التعديل وصل إلى نهايته.

global bond index yield

المصدر: بلومبيرغ

الشرارة كانت من النفط… لكن العدوى انتشرت بعيدًا عن الطاقة

الشرارة الأولى جاءت من صعود أسعار النفط بعد الحرب مع إيران والاضطراب الذي أصاب مضيق هرمز. والسوق باتت أكثر حساسية لاحتمال أن لا يبقى هذا الارتفاع محصورًا في الخام والبنزين، وإنما يمتد إلى طيف واسع من الأسعار في الاقتصاد.

وهنا تكمن المشكلة الفعلية. فارتفاع النفط لا يعني فقط وقودًا أغلى، وإنما يعني أيضًا كلفة نقل أعلى، وكلفة إنتاج أعلى، ومدخلات أغلى في قطاعات تمتد من الزراعة إلى الصناعة والسلع الاستهلاكية. وعندما تبدأ السوق في الاعتقاد بأن هذا النوع من الضغط السعري لن يكون عابرًا، تكون السندات طويلة الأجل أول من يدفع الثمن.

Dated brent oil today

المخاوف المالية تزيد الوضع سوءًا

البيع الحالي لا تقوده مخاوف التضخم وحدها. المستثمرون في السندات يواجهون أيضًا واقعًا ماليًا أقل راحة في عدد من الاقتصادات المتقدمة الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وبريطانيا واليابان.

فالإنفاق الحكومي المرتفع، وزيادة الإصدارات، وارتفاع علاوة الأجل، كلها تتداخل داخل الصفقة نفسها. المستثمر لم يعد يسأل فقط ما إذا كان التضخم سيبقى مرتفعًا، وإنما أيضًا ما إذا كانت الحكومات ستواصل الاقتراض بكثافة في هذه البيئة، وما العائد الذي يجب أن يطلبه مقابل ذلك.

وهذا تحديدًا ما يجعل الضغط على الطرف الطويل من منحنى العائد أكثر قسوة.

الولايات المتحدة تقود الحركة… لكنها ليست وحدها

السوق الأميركية ما تزال المثال الأوضح. فعوائد سندات الخزانة لأجل 30 عامًا ارتفعت بنحو 60 نقطة أساس منذ بداية الحرب مع إيران، لتصل إلى 5.20%، وهو أعلى مستوى منذ يوليو 2007.

لكن هذه ليست حركة أميركية معزولة. فالعوائد على السندات البريطانية طويلة الأجل صعدت إلى مستويات لم تُرَ منذ 1998، وأصبحت بريطانيا تتفوق على أستراليا كأعلى سوق سندات متقدمة من حيث العائد عند هذه الآجال. وهذا وحده يكشف مدى اتساع الضغط وانتشاره.

الرسالة التي ترسلها السوق باتت مباشرة: المستثمرون يريدون عائدًا أعلى، ويريدونه الآن.

الرهان على انتعاش السندات هذا العام بدأ يتفكك

هذه التحركات كانت مؤلمة للمستثمرين الذين دخلوا العام وهم يراهنون على استمرار دورة التيسير النقدي العالمية. ففي نهاية فبراير، كان المؤشر العالمي للسندات التي تستحق بعد عقد أو أكثر مرتفعًا بنحو 3% منذ بداية العام. لكن الصورة انقلبت لاحقًا إلى خسارة بلغت 4.6% في 2026.

هذا تحول حاد خلال فترة قصيرة، ويعكس مدى سرعة انتقال السوق من تسعير تراجع التضخم وخفض الفائدة إلى تسعير تضخم أكثر ثباتًا ومخاطر متزايدة بأن تعود البنوك المركزية إلى نبرة أكثر تشددًا.

السوق لا تقول حتى الآن إن رفع الفائدة أصبح حتميًا في كل مكان، لكنها تقول بوضوح إن الطريق إلى سياسة نقدية أسهل لم يعد بالوضوح الذي كان المستثمرون يأملونه.

ما يزال هناك من يرى مجالًا لمزيد من الصعود في العوائد

ولهذا السبب تبقى النظرة حذرة. حيث أنه من الممكن أن تكون المحطة التالية لعائد السندات الأميركية لأجل عشر سنوات فوق 4.75%، فيما يتحدث آخرون عن 5.25% كهدف قريب محتمل لعائد سندات الثلاثين عامًا.

بمعنى آخر، الحركة كانت كبيرة بالفعل، لكن السوق لا تعطي حتى الآن انطباعًا قويًا بأن العوائد بلغت سقفها.

والسبب أن العوامل الأساسية التي دفعتها إلى الأعلى ما تزال قائمة. النفط ما يزال مرتفعًا. الحرب ما تزال بلا مخرج مقنع. الإصدارات الحكومية ما تزال ثقيلة. وفي الخلفية، يستمر الاستثمار القوي في القطاع الخاص المرتبط بالذكاء الاصطناعي في دعم النمو، بما يبقي سؤال التضخم مفتوحًا.

وهذا خليط يجعل عودة المشترين إلى السندات الطويلة خطوة صعبة من دون قناعة أكبر.

البيع الفني يزيد النار اشتعالًا

الضغط في السوق لا يأتي من العوامل الأساسية وحدها. فالعوامل الفنية تلعب دورًا واضحًا أيضًا، مع مساهمة الاستراتيجيات المنهجية والبيع الخوارزمي في تسريع الحركة.

وعندما تبدأ العوائد في اختراق مستويات يراقبها الجميع، تدخل هذه التدفقات لتدفع موجة إعادة التسعير بوتيرة أسرع، وتجعل السوق تبدو أكثر اضطرابًا مما توحي به الأساسيات وحدها.

وهذا مهم لأن السوق في هذه الحالة لا تعيد التسعير فقط، وإنما تبدأ في تغذية حركتها بنفسها.

حتى الآن… الكفة ما تزال تميل إلى عوائد أعلى

النبرة العامة في السوق توحي بأن المستثمرين صاروا أكثر استعدادًا لتصديق أن التضخم سيبقى أكثر عنادة، وأن البنوك المركزية قد تضطر إلى استعادة لهجة أكثر صرامة، وأن السندات طويلة الأجل تحتاج إلى عائد أعلى مما كانت تقدمه حتى قبل بضعة أشهر فقط.

وأي انعكاس حقيقي في هذا الاتجاه يحتاج على الأرجح إلى واحد من أمرين؛ إما تهدئة واضحة ومستدامة في الشرق الأوسط تدفع النفط إلى الهبوط، أو تراجع ملموس في توقعات النمو يجعل المخاوف التضخمية تبدو مبالغًا فيها.

حتى الآن، لا هذا تحقق ولا ذاك.

السوق تعيد تسعير عالم أكثر صعوبة

ما تكشفه هذه الموجة بوضوح هو أن السوق بدأت تتكيف مع بيئة اقتصادية أقل راحة. الفرضية القديمة، التي كانت تقول إن التضخم سيواصل التراجع وإن البنوك المركزية ستواصل التيسير، اصطدمت الآن بمجموعة جديدة من المخاطر.

النفط المرتفع، والتضخم الصلب، وتدهور الأوضاع المالية، والنمو الذي ما يزال متماسكًا، كلها تتلاقى اليوم عند الطرف الطويل من السوق. وما لم يتغير هذا المزيج، فسيظل الضغط قائمًا على السندات الحكومية طويلة الأجل.

وهذا يعني أن إعادة التسعير العالمية في العوائد قد لا تكون انتهت بعد.

Copied