بكين وتخفيف مخاطر الدولار
تنفذ السلطات المالية الصينية حاليًا استراتيجية مناورة معقدة على جبهتين في آنٍ واحد. على الصعيد الخارجي، تعمل بكين على تحصين قطاعها المصرفي من التقلبات المتزايدة في ديون الولايات المتحدة السيادية. أما داخليًا، فيخوض البنك المركزي معركة سيولة واسعة النطاق لدعم الأسواق المحلية قبيل عطلة رأس السنة القمرية.
الجهات التنظيمية الصينية تحث البنوك المحلية على تقليص انكشافها على سندات الخزانة الأمريكية.
البنك المركزي يحدد سعر التعادل اليومي عند 6.9929.
عائد السندات الحكومية الصينية لأجل 10 سنوات تراجع إلى نحو 1.8%، وهو أدنى مستوى في أسبوعين.
مؤشر أسعار المستهلكين عند 0.8%، وهو أعلى مستوى منذ مارس 2023.
تقليص الانكشاف على السندات الأمريكية
الإشارة الأهم للمستثمرين العالميين جاءت من توجيهات الجهات التنظيمية الصينية التي دعت البنوك المحلية إلى تقليص انكشافها على سندات الخزانة الأمريكية. ورغم أن هذه الخطوة تُبرَّر رسميًا بمخاطر السوق، فإن توقيتها يوحي بحسابات جيوسياسية أعمق.
الثقة في أصول الدولار الأمريكي تآكلت بعد تقارير عن ضغوط أمريكية متجددة على الحلفاء الأوروبيين فيما يتعلق بالسيطرة على غرينلاند. ومع التهديد بفرض رسوم جمركية على ثماني دول أوروبية في حال عرقلة الطموحات الأمريكية في الإقليم، تغيّر ملف المخاطر للاحتفاظ بالأصول الأمريكية. توجيهات بكين لبنوكها تمثل جدار حماية دفاعي، يهدف إلى تقليص المخاطر النظامية التي قد تنتقل إلى الميزانيات الصينية إذا تصاعدت التوترات الدبلوماسية الأمريكية إلى نزاع تجاري أوسع أو تسببت في موجة بيع حادة للسندات الأمريكية.
كسر الحاجز النفسي
للمرة الأولى منذ مايو 2023، قام بنك الشعب الصيني بتقوية سعر التثبيت اليومي لليوان متجاوزًا الحاجز النفسي البالغ 7 يوان مقابل الدولار.
يوم الجمعة، حدد البنك المركزي سعر التعادل عند 6.9929، في خطوة تحمل دلالة واضحة. فبعد أسابيع من إبقاء السعر المرجعي فوق مستوى 7 بقليل، سمح البنك بتقدير قيمة العملة. هذا التحرك لا يبدو كرهان على قوة اليوان بقدر ما هو استغلال لضعف الدولار. فقد تراجع الدولار مع استيعاب الأسواق لحالة عدم الاستقرار المرتبطة بالتصعيد الجيوسياسي الأخير حول غرينلاند، ما أتاح لبكين إعادة تسعير عملتها دون استنزاف احتياطيات كبيرة.
ضخ السيولة قبل رأس السنة القمرية
وبينما تدير هذه التحديات الخارجية، يخوض بنك الشعب الصيني في الوقت نفسه معركة سيولة داخلية. الطلب الموسمي على النقد قبل رأس السنة القمرية خلق فجوة تمويلية مؤقتة تُقدَّر بنحو 3.2 تريليون يوان.
ولتفادي اختناق النظام المالي بسبب هذا الطلب، تدخل البنك المركزي بقوة. فقد شهد الأسبوع الماضي ضخ 600 مليار يوان عبر عمليات إعادة شراء لأجل 14 يومًا. وتشير توقعات السوق الآن إلى أن البنك قد يضيف ما يصل إلى 3.5 تريليون يوان أخرى قبل بدء العطلة.
وكان أثر هذا التيسير النقدي سريعًا. إذ تراجع عائد السندات الحكومية الصينية لأجل 10 سنوات إلى نحو 1.8%، وهو أدنى مستوى في أسبوعين. هذا الانخفاض يعكس ثقة السوق بأن البنك المركزي سيُبقي السيولة متدفقة، مفضّلًا الاستقرار المالي وتكلفة التمويل المنخفضة على المخاوف المتعلقة بخروج رؤوس الأموال.

المصدر: Trading Economics
إشارة التضخم
يتركز اهتمام الأسواق على بيانات مؤشر أسعار المستهلكين المنتظر صدورها يوم الأربعاء. هذا الإصدار يُنظر إليه كاختبار حاسم لفعالية حزم التحفيز الأخيرة التي أطلقتها بكين.
اتجاه التضخم خلال الربع الماضي يشير إلى بداية دورة إعادة تضخم ناشئة. فخلال ثلاثة أشهر متتالية، سجل مؤشر الأسعار قراءات أعلى من الفترة السابقة، ما يوحي باحتمال خروج الاقتصاد من الضغوط الانكماشية التي سيطرت خلال عامي 2024 و2025. آخر قراءة بلغت 0.8%، وهي الأعلى منذ مارس 2023.
في حال أكدت بيانات الأربعاء هذا المسار الصاعد، فسيمنح ذلك دعمًا أساسيًا لاستراتيجية بنك الشعب الصيني الحالية. ارتفاع التضخم يعني أن ضخ السيولة بدأ يصل إلى الطلب الاستهلاكي بدل بقائه محصورًا في احتياطيات البنوك. ومع صعود التضخم إلى 0.8%، ينخفض سعر الفائدة الحقيقي فعليًا، ما يوفر تيسيرًا غير مباشر للاقتصاد دون الحاجة إلى خفض حاد في أسعار الفائدة.

المصدر: المكتب الوطني للإحصاء في الصين