ضعف الميزان التجاري يعزز تثبيت الفائدة في نيوزيلندا

أشارت محافظة البنك الاحتياطي النيوزيلندي، آنا بريمان، الأسبوع الماضي إلى أن الاقتصاد يمتلك مساحة للتعافي هذا العام دون إعادة إشعال التضخم، مما يعزز موقف البنك المركزي المتسم بالصبر. وأبقى البنك سعر الفائدة النقدي دون تغيير، مؤكداً أن السياسة النقدية تحتاج إلى أن تظل داعمة في الوقت الراهن. عقب هذه التصريحات، خفّضت الأسواق بشكل حاد توقعات رفع الفائدة القريب، حيث يرى المستثمرون حالياً احتمالاً ضئيلاً لحدوث أول زيادة قبل ديسمبر.

بواسطة يزيد أبو سماقة | @Yazeed Abu Summaqa | 26 فبراير 2026

New Zealand economy-2
  • ارتفاع البطالة إلى 5.4%، وهو أعلى مستوى منذ 2016.

  • التضخم لا يزال مستقراً قرب 3%.

  • تسجيل عجز تجاري بقيمة 519 مليون دولار نيوزيلندي.

  • احتمال ضعيف لرفع الفائدة قبل ديسمبر.

ضعف سوق العمل يتزايد

أظهرت أحدث البيانات ارتفاع معدل البطالة إلى 5.4%، وهو الأعلى منذ عام 2016، في إشارة واضحة إلى تراجع زخم سوق العمل. قبل عام واحد فقط، كانت نيوزيلندا تقترب من التوظيف الكامل، مع صعوبة الشركات في العثور على عمالة. أما الآن، فقد تراجعت نوايا التوظيف، وانخفضت الوظائف الشاغرة، وأبلغت قطاعات مثل البناء والتجزئة عن ضعف في الطلب.

يعكس هذا التحول تباطؤ الاستهلاك المحلي، وتشديد الأوضاع المالية نتيجة الزيادات السابقة في أسعار الفائدة، إلى جانب ضعف الطلب الخارجي. وتبدو الشركات أكثر حذراً، حيث تؤجل خطط التوسع وتسعى للسيطرة على تكاليف العمالة في ظل تراجع وضوح الرؤية الاقتصادية.

ورغم أن نمو الأجور لا يزال مستقراً نسبياً، فإنه بدأ يميل إلى الاستقرار بدلاً من التسارع، وهو تمييز مهم لصناع السياسات. فتباطؤ سوق العمل تدريجياً يقلل مخاطر دوامة الأجور والأسعار، التي كانت مصدر قلق رئيسي خلال ذروة التضخم.

بالنسبة للبنك الاحتياطي النيوزيلندي، يوفر ارتفاع البطالة هامشاً من المرونة، إذ يشير إلى أن السياسة التقييدية بدأت تؤثر في الاقتصاد عبر كبح الطلب الزائد دون التسبب في انكماش حاد. وطالما ارتفعت البطالة بوتيرة منظمة وتراجع التضخم تدريجياً، يمكن للبنك تبرير تثبيت الفائدة بدلاً من الإسراع نحو مزيد من التشديد.

NZD UNemployment rate

المصدر: هيئة الإحصاءات في نيوزيلندا

التضخم لا يزال صامداً

يبقى التضخم مستقراً قرب 3%، أي أعلى قليلاً من منتصف النطاق المستهدف للبنك الاحتياطي النيوزيلندي. ورغم تراجع وتيرة نمو الأسعار بشكل ملحوظ عن مستويات ما بعد الجائحة، فإن المرحلة الأخيرة من خفض التضخم تبدو أكثر صعوبة، خصوصاً في قطاعات الخدمات والإيجارات والتأمين وتكاليف الإسكان الأخرى. وتميل هذه المكونات إلى التكيف ببطء، وترتبط ارتباطاً وثيقاً بديناميكيات الأجور المحلية، ما يفسر بطء تراجع التضخم مقارنة بأسعار السلع.

تراجع التضخم المستورد بفضل انحسار ضغوط سلاسل الإمداد العالمية، إلا أن التضخم المحلي لا يزال ثابتاً. ويعد هذا التمييز مهماً، إذ يشير إلى أن الصدمات الخارجية تتلاشى بينما لا تزال هياكل التكاليف الداخلية في طور التكيف.

ويخلق ذلك توازناً دقيقاً في السياسة النقدية؛ فالتضخم لم ينخفض بعد بما يكفي لتبرير التيسير، في حين أن ارتفاع البطالة وتباطؤ النمو يجعلان الدفاع عن مزيد من رفع الفائدة أمراً صعباً. فالتشديد المفرط قد يعمق تباطؤ سوق العمل، بينما التيسير المبكر قد يعيد ترسيخ توقعات التضخم فوق الهدف.

NZD CPI

المصدر: هيئة الإحصاءات في نيوزيلندا

الميزان التجاري وتوقعات السياسة النقدية

سجل الميزان التجاري لنيوزيلندا عجزاً قدره 519 مليون دولار نيوزيلندي، ما يعكس تصاعد الضغوط الخارجية على الاقتصاد. وقد أدى ضعف الطلب على الصادرات، خصوصاً من الشركاء الآسيويين الرئيسيين، إلى جانب تقلب أسعار السلع الأساسية، إلى إضعاف الوضع الخارجي للبلاد. ونظراً لاعتماد نيوزيلندا على الصادرات الزراعية والسلعية، فإن أي تحولات معتدلة في الطلب العالمي قد تؤثر بشكل ملموس على التدفقات التجارية ونمو الدخل.

كما يفرض استمرار العجز التجاري ضغوطاً هبوطية على الدولار النيوزيلندي، ما يعقد آفاق التضخم. فرغم أن العملة الأضعف تدعم الصادرات، فإنها ترفع تكلفة الواردات، مما قد يبطئ وتيرة تراجع التضخم. وهذا التفاعل يزيد من تعقيد المشهد أمام البنك الاحتياطي النيوزيلندي.

NZD trade balance

المصدر: هيئة الإحصاءات في نيوزيلندا

رفع محتمل في ديسمبر

من منظور السياسة النقدية، تعزز بيانات التجارة توقعات فترة تثبيت مطولة. فطالما ظل الطلب الخارجي هشاً وتعرضت العملة لضغوط هبوطية، فمن غير المرجح أن يتجه البنك إلى تشديد قوي. وتشير الأسواق حالياً إلى احتمال ضعيف لرفع الفائدة قبل ديسمبر، ما يعكس ثقة بأن صناع السياسات سيعطون أولوية لاستقرار الاقتصاد على حساب التشديد الاستباقي.

ومع ذلك، إذا بدأت ضعف العملة في تغذية التضخم المحلي، خصوصاً عبر السلع المستوردة والوقود، فقد يُضطر البنك إلى إعادة النظر. في الوقت الراهن، يعزز ضعف التجارة مبررات التريث، ويثبت التوقعات بأن السياسة النقدية ستظل مستقرة بينما يتعامل الاقتصاد مع رياح خارجية معاكسة.

NZD interest rate

المصدر: البنك الاحتياطي النيوزيلندي