الغاز الطبيعي تحت ضغط الشتاء

تسببت العاصفة الشتوية في تعطّل نحو 12% من إنتاج الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة، ما أدى إلى تقييد الإمدادات الموجهة لمحطات الكهرباء والمنازل. وانخفض متوسط الإنتاج في الولايات الـ 48 السفلى إلى نحو 106.9 مليار قدم مكعب يوميًا خلال يناير، مقارنةً بمستوى قياسي بلغ 109.7 مليار قدم مكعبة يوميًا في ديسمبر. كما تراجعت تدفقات الغاز إلى محطات تصدير الغاز الطبيعي المسال في الولايات المتحدة إلى أدنى مستوى لها منذ عام.

بواسطة يزيد أبو سماقة | @Yazeed Abu Summaqa | 27 يناير 2026

Natural gas_1
  • تراجع شهري بنسبة 8.29% وانخفاض سنوي بنسبة 1.13%.

  • تدفقات الغاز إلى محطات تصدير الغاز المسال الأمريكية عند أدنى مستوى في عام.

  • أسعار الغاز الطبيعي قفزت بنحو 73%.

  • النفوذ الروسي لا يزال حاضرًا بقوة.

تحولات الطلب في الولايات المتحدة

بدأ استهلاك الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة بالتراجع بعد الذروة الأولى للطلب خلال فصل الشتاء. ويبلغ الاستهلاك الحالي نحو 2.507 كوادري ليون وحدة حرارية بريطانية، مقارنة بـ2.733 كوادري ليون الشهر الماضي، وأقل قليلًا من 2.536 كوادري ليون قبل عام. ويعكس ذلك انخفاضًا شهريًا بنسبة 8.29% وتراجعًا سنويًا بنسبة 1.13%، ما يشير إلى أن ذروة الطلب الشتوي قد تكون تجاوزت أكثر مراحلها حدة.

هذا التراجع يوحي بأن الطلب الطارئ الناتج عن موجات البرد القارس بدأ بالانحسار، رغم استمرار المخاطر المرتبطة بالطقس. ومع ذلك، فإن انخفاض الطلب لا يعني بالضرورة ارتياحًا للسوق. فالإمدادات لا تزال شديدة الحساسية للاضطرابات المناخية وضغوط البنية التحتية، ما يجعل حتى مستويات الاستهلاك المعتدلة كافية للإبقاء على السوق في حالة توتر خلال الشتاء.
بعبارة أخرى، قد يبرد الطلب نسبيًا، لكن هامش الأمان يبقى محدودًا، وأي موجة برد جديدة أو خلل تشغيلي قد يعيد الضغوط سريعًا إلى أسواق الغاز والكهرباء.

gascons

المصدر: YCharts

صادرات الغاز عند أدنى مستوى

من أبرز التطورات المتعلقة بالانخفاض الحاد في تدفقات الغاز إلى محطات تصدير الغاز الطبيعي المسال في الولايات المتحدة، لتصل إلى أدنى مستوى لها منذ عام. ويشير ذلك إلى أن تأمين الإمدادات المحلية أصبح أولوية فورية، حتى مع استمرار الطلب القوي عالميًا على الغاز الأمريكي.

على المدى القصير، يخفف تراجع الصادرات من الضغوط داخل الولايات المتحدة، لكنه يشدد الأوضاع عالميًا. فالولايات المتحدة أصبحت المورد المرن الرئيسي لأوروبا بعد تراجع إمدادات الغاز الروسي عبر الأنابيب، وأي تباطؤ أو اضطراب في الإمدادات الأمريكية ينعكس سريعًا على الأسواق الأوروبية.

ارتفاع بنسبة 73% يحدد نبرة الشتاء

بعثت أسعار الغاز الأوروبية رسالة واضحة هذا الشتاء. فمنذ بداية يناير، قفزت الأسعار المرجعية بنحو 73%، وهي حركة تعكس أكثر مخاوف وهشاشة النظام، وليس نقصًا فوريًا في الإمدادات.
لم يبدأ هذا الارتفاع بسبب خفض مفاجئ للإمدادات أو عنوان صادم، بل تراكم تدريجيًا مع إعادة تقييم مخاطر الشتاء، وتراجع المخزونات، والواقع غير المريح بأن أوروبا لم تعد تمتلك موردًا احتياطيًا موثوقًا. حركة الأسعار بحد ذاتها كانت التحذير.

Gasprice

المصدر: Trading Economics

النفوذ الروسي لم يختفِ

رغم أن تدفقات الغاز الروسي إلى أوروبا باتت محدودة للغاية، إلا أن نفوذ موسكو لا يزال قائمًا. فروسيا لم تعد بحاجة إلى إغلاق الصنابير للتأثير في الأسعار؛ إذ يكفي خلق حالة من عدم اليقين.
الحرب المستمرة في أوكرانيا، وأمن مسارات العبور المتبقية، واحتمالات تعرض البنية التحتية لمخاطر، كلها عوامل تبقى في الخلفية. وكل خبر جديد يعزز فكرة أن أمن الإمدادات مشروط وليس مضمونًا، وهو ما يكفي لدفع الأسعار إلى الارتفاع خلال فصل الشتاء.

استقرار يحمل علاوة خفية

أوروبا لا تتجه نحو أزمة غاز فورية. النظام يعمل، لكنه يعمل بهوامش أضيق، وضمانات أقل، وتعرض أكبر للجغرافيا السياسية. وطالما بقيت روسيا طرفًا معاديًا، وبقي الغاز المسال شريان أوروبا الرئيسي، فإن أسعار الغاز ستحمل علاوة مخاطر هيكلية.
وهذا يعني انهيارات أقل، وقفزات سعرية أشد، وسوقًا تتصرف كأصل جيوسياسي أكثر من كونها سلعة طاقة تقليدية. لقد تخلصت أوروبا من التبعية، لكنها لم تتخلص من الهشاشة. النفوذ الروسي على سوق الغاز الأوروبي تغيّر شكله، لكنه لم يختفِ. وفي السوق الحالية، لا يأتي الضغط من الصنابير المغلقة، بل من عدم اليقين… ولا تزال روسيا بارعة في صناعة عدم اليقين.