التحولات الهيكلية في سوق النفط، العوامل الجيوسياسية، والآفاق الفنية للأسعار

يدخل سوق النفط العالمي عام 2026 في ظل تغيّرات هيكلية عميقة في موازين العرض والإنتاج، إلى جانب تصاعد المخاطر الجيوسياسية، وتحوّل سلوك الأسعار نحو أنماط فنية أكثر عرضية مقارنة بالدورات السابقة. ويبرز في هذا السياق تراجع الحصة الإنتاجية لأوبك وما يترتب عليه من انخفاض قدرتها على توجيه الأسعار، إضافة إلى التأثير المحدود للنفط الإيراني والفنزويلي على التوازنات العالمية نتيجة قيود تتعلق بالجودة والبنية التحتية واللوجستيات.

بواسطة يزيد أبو سماقة | @Yazeed Abu Summaqa | 1h ago

WTI
  • تراجعت حصة أوبك من الإنتاج العالمي من نحو 40% في منتصف التسعينيات إلى منتصف نطاق 30% في 2026.

  • المخاطر الجيوسياسية، خصوصًا المرتبطة بإيران ومضيق هرمز، ما تزال تشكل عامل دعم سعري على المدى القصير.

  • السلوك السعري الحالي يشير إلى أن خام غرب تكساس (WTI) يتحرك ضمن نطاق متوسط الأجل.

تراجع الحصة الإنتاجية لأوبك وتأثيره على السوق

تراجعت حصة منظمة أوبك من الإنتاج العالمي للنفط الخام بشكل تدريجي من قرابة 40% في منتصف التسعينيات إلى نحو 36.2% في عام 2024، وفقًا للنشرة الإحصائية السنوية لأوبك. وبلغ إجمالي الإنتاج العالمي من النفط الخام حوالي 72.6 مليون برميل يوميًا في 2024، ما يعني أن أوبك لم تعد تسيطر على أغلبية المعروض العالمي.

ويُعزى هذا التراجع بشكل رئيسي إلى الطفرة الكبيرة في إنتاج النفط الصخري الأميركي. فقد وصل إنتاج الولايات المتحدة إلى مستويات قياسية قرب 13.6 مليون برميل يوميًا في 2025، مقارنة بنحو 5–6 ملايين برميل يوميًا في أوائل الألفية، ومن المتوقع أن يبلغ متوسط الإنتاج حوالي 13.5 مليون برميل يوميًا خلال عامي 2025 و2026. هذا النمو عزز مرونة المعروض خارج أوبك، وجعل الاستجابة السعرية أسرع، ما حدّ من قدرة أوبك على دعم الأسعار دون خسارة حصة سوقية إضافية.

وينطبق هذا الاتجاه كذلك على تحالف أوبك+، إذ تراجعت حصته من الإمدادات العالمية من نحو 53% في 2016 إلى ما يُقدّر بـ 46% خلال 2025–2026، في ظل استمرار توسع الإنتاج من خارج التحالف. ووفقًا لتقديرات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، من المتوقع أن يرتفع إجمالي إنتاج السوائل النفطية عالميًا من 105.9 مليون برميل يوميًا في 2025 إلى 107.2 ملايين برميل يوميًا في 2026، ما يدفع أوبك إلى التركيز على إدارة التقلبات ومنع تراكم المخزونات بدل السعي لرفع الأسعار بقوة.

image (3)

المصدر: Macro Micro

تأثير التوترات الجيوسياسية

لا تزال التوترات الجيوسياسية بين إيران والولايات المتحدة تشكل أحد أبرز مخاطر الصعود لأسعار النفط، خصوصًا بسبب الموقع الاستراتيجي لإيران بالقرب من مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية المنقولة بحرًا. إلا أن سلوك السوق في الآونة الأخيرة يشير إلى أن هذه المخاطر تُسعَّر بشكل أكبر كمحفّز للتقلبات قصيرة الأجل وليس كعامل اتجاهي طويل الأمد.

ففي يناير 2026، ارتفع خام برنت مؤقتًا إلى حدود 66.82 دولار للبرميل مع تصاعد التوترات، قبل أن يتراجع بأكثر من 4% إلى قرابة 63.60 دولار بمجرد انحسار المخاوف من تصعيد فوري. ويعكس هذا النمط سوقًا سريع التفاعل مع العناوين الجيوسياسية، لكنه يعيد تقييم الأوضاع بسرعة طالما بقيت التدفقات الفعلية للإمدادات دون انقطاع.

وبالنظر إلى المستقبل، يُرجَّح أن يؤدي استمرار التوتر الإيراني–الأميركي إلى إبقاء علاوة مخاطر جيوسياسية ضمن الأسعار، دون إحداث صدمة مستدامة في المعروض. فرغم أن الطاقة التصديرية الإيرانية قبل العقوبات تُقدّر بنحو مليوني برميل يوميًا، إلا أن هذا الحجم يظل محدود التأثير مقارنة بطلب عالمي يُقدّر بحوالي 104 ملايين برميل يوميًا في 2025، ويرتفع إلى 105.1 ملايين برميل يوميًا في 2026. وعليه، فإن أي تذبذب في الصادرات الإيرانية قد يؤدي إلى قفزات سعرية مؤقتة، سرعان ما تتلاشى مع استجابة المعروض خارج أوبك، لا سيما من النفط الصخري الأميركي، وامتصاص المخزونات لأي اضطرابات.

النظرة الفنية لأسعار النفط

مع دخول عام 2026، تواصل أسعار النفط التحرك ضمن نطاق عرضي واسع تشكّل منذ بلوغ الذروات التي أعقبت جائحة كورونا. وتُظهر حركة الأسعار خلال العامين الماضيين فشلًا متكررًا في الحفاظ على اختراقات أعلى مناطق المقاومة الرئيسية، في حين وجدت التراجعات دعمًا عند مستويات ترتبط بتكاليف الإنتاج الحدّية، خصوصًا لدى منتجي النفط الصخري في الولايات المتحدة.

ويشير هذا الهيكل السعري إلى انتقال السوق من بيئة اتجاهية واضحة إلى سوق يغلب عليه الارتداد إلى المتوسط والتقلبات قصيرة الأجل. وتشير المعطيات الحالية إلى أن خام غرب تكساس (WTI) يتداول ضمن نطاق متوسط الأجل، حيث يُقيَّد الصعود بعمليات التحوط من المنتجين وزيادة الإمدادات خارج أوبك، بينما يُدعَم الهبوط باستجابات المعروض القائمة على التكاليف.

وغالبًا ما تفقد الارتفاعات المدفوعة بالعناوين الجيوسياسية أو التخفيضات المؤقتة في الإنتاج زخمها مع اقتراب الأسعار من مستويات تحفّز زيادة الإنتاج أو البيع الآجل. كما تدعم مؤشرات الزخم متوسطة الأجل هذا السيناريو، إذ تُظهر ضعفًا في قوة الاتجاه، ما يعكس محدودية القناعة الاتجاهية في السوق. ويعزز ذلك احتمالية استمرار التداول ضمن نطاقات سعرية متقلبة بدل الدخول في موجة صعود مستدامة خلال الفترة المقبلة.

oil

المصدر: Trading View