محضر الاحتياطي الفيدرالي يكشف ميلاً متشدداً مع طرح بعض الأعضاء احتمال رفع الفائدة
أظهر محضر اجتماع الاحتياطي الفيدرالي في يناير تحوّلاً لافتًا في نبرة صانعي السياسة، إذ عبّر عدد من المسؤولين عن قلق متزايد من استمرار الضغوط التضخمية، وأشار بعضهم إلى أن أسعار الفائدة قد تحتاج إلى الارتفاع مجددًا إذا لم يتراجع التضخم كما هو متوقع — وهو تطور يعقّد رهانات الأسواق على خفض الفائدة لاحقًا هذا العام.
عدد من مسؤولي الفيدرالي ناقش احتمال رفع الفائدة إذا بقي التضخم مرتفعًا
غالبية الأعضاء ترى أن مخاطر ضعف سوق العمل تراجعت
تثبيت الفائدة عند نطاق 3.5%–3.75% بتصويت 10 مقابل 2
احتمال تصاعد التوتر مع الرئيس دونالد ترامب الداعم لخفض الفائدة
اعتمد مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي نبرة أكثر حذرًا في اجتماعهم المنعقد يومي 27 و28 يناير، مع تركيز أكبر على مخاطر التضخم وتراجع الحماسة تجاه مزيد من خفض أسعار الفائدة مقارنةً بما كانت تتوقعه الأسواق.
ويُظهر محضر اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة أن الأعضاء لم يلمّحوا إلى تشديد وشيك، إلا أن عدة مشاركين طرحوا احتمال الحاجة إلى رفع الفائدة إذا تبيّن أن التضخم أكثر ثباتًا مما تشير إليه التقديرات الحالية.
ويعكس هذا النقاش تحوّلًا مهمًا في المزاج الداخلي. فقبل أشهر قليلة، كان الاحتياطي الفيدرالي قد خفّض الفائدة ثلاث مرات في أواخر 2025 استجابةً لمؤشرات على تباطؤ سوق العمل. لكن بحلول يناير، رأى المسؤولون أن مخاطر ضعف التوظيف تراجعت، بينما بقيت مخاطر التضخم مرتفعة.
وجاء في المحضر أن "الغالبية العظمى من المشاركين رأت أن المخاطر السلبية على التوظيف تراجعت في الأشهر الأخيرة، في حين لا يزال خطر استمرار التضخم قائمًا."
ابتعاد تدريجي عن مسار الخفض
في الاجتماع، صوّتت اللجنة بأغلبية 10 مقابل 2 على تثبيت سعر الفائدة ضمن نطاق 3.5% إلى 3.75%. وخالف الحاكمان كريستوفر والر وستيفن ميران القرار، مطالبَين بخفض ربع نقطة مئوية.
اللافت أن البيان أزال العبارات التي كانت تشير سابقًا إلى تنامي المخاطر السلبية على سوق العمل، لتحل محلها لهجة أكثر يقظة تجاه التضخم.
وحذّر عدد من المشاركين من أن المضي في التيسير النقدي بينما لا تزال قراءات التضخم مرتفعة قد يُفسَّر على أنه تراجع عن الالتزام بهدف 2%، ما يعكس ميلاً أكثر تشددًا حتى وإن لم يتبلور إجماع على رفع فعلي للفائدة.
في المقابل، رأى بعض الأعضاء أن مزيدًا من الخفض قد يكون مناسبًا إذا تباطأ التضخم وفق التوقعات، إلا أن كثيرين أقرّوا بأن هذا التباطؤ قد يستغرق وقتًا أطول مما كان يُعتقد سابقًا.
بيانات أقوى تدعم نهج التريث
البيانات الصادرة بعد الاجتماع عززت هذا التوجه الحذر. فقد أضاف الاقتصاد الأميركي 130 ألف وظيفة في يناير، وهو أقوى نمو شهري منذ أكثر من عام، بينما تراجع معدل البطالة إلى 4.3%. وعلى صعيد الأسعار، أظهرت بيانات التضخم تباطؤًا محدودًا، مع ارتفاع مؤشر أسعار المستهلكين الأساسي — باستثناء الغذاء والطاقة — بما يتماشى مع التوقعات.
هذا المزيج من توظيف مستقر، وتضخم متراجع تدريجيًّا لكنه لا يزال مرتفعًا، ونمو اقتصادي مرن، منح صانعي السياسة مساحة للمناورة دون استعجال.
وعليه، خفّض المتداولون رهاناتهم على خفض قريب للفائدة، رغم أن عقود الفائدة المستقبلية لا تزال تسعّر احتمال خفض بحلول يونيو.
مسار تصادمي مع البيت الأبيض؟
قد يضع هذا التشدد النسبي الاحتياطي الفيدرالي في مسار تصادمي مع الرئيس دونالد ترامب، الذي كرر دعواته لخفض تكاليف الاقتراض.
وبعد يومين فقط من انتهاء اجتماع يناير، أعلن ترامب نيته ترشيح كيفن وورش لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي خلفًا لجيروم باول مع انتهاء ولايته في مايو. وأوضح ترامب أنه يتوقع من الرئيس الجديد تبنّي سياسة أكثر ميلًا لخفض الفائدة.
غير أن محضر الاجتماع يشير إلى أن صانعي السياسة ليسوا موحدين خلف مزيد من التيسير في الأجل القريب — بل إن بعضهم يدرس السيناريو المعاكس.
ومنذ الاجتماع، شدد عدد من مسؤولي الفيدرالي على أن استقرار الاقتصاد يسمح لهم بالتريث. وهكذا، تجد الأسواق نفسها أمام مشهد أكثر تعقيدًا: بنك مركزي لم يعد يميل تلقائيًّا نحو الخفض، وإدارة أميركية تضغط باتجاه سياسة أسهل، وقيادة مرتقبة قد تضطر إلى الموازنة بين التوقعات السياسية ومخاطر التضخم.
الخلاصة التي يبرزها محضر يناير واضحة: النقاش داخل الاحتياطي الفيدرالي تغيّر. خفض الفائدة لم يعد الافتراض الأساسي، وفي بعض السيناريوهات قد يكون الاتجاه التالي — نظريًّا على الأقل — نحو الرفع.