التوترات الجيوسياسية وأسعار النفط

شهدت أسواق النفط ارتفاعًا ملحوظًا مؤخرًا مع تصاعد حالة عدم الاستقرار في إيران، ما أعاد ضخ علاوة مخاطر جيوسياسية جديدة في أسعار الطاقة العالمية. وتداول خام برنت قرب أعلى مستوياته في عدة أسابيع ضمن نطاق 63–65 دولارًا للبرميل.

بواسطة يزيد أبو سماقة | @Yazeed Abu Summaqa | 14 يناير 2026

Copied
WTI-2
  • يمر عبر مضيق هرمز نحو 20% من النفط عالميًا.

  • أثّرت الإمدادات الفنزويلية في هيكل التسعير، مع اتساع الفارق السعري بين خام غرب تكساس وبرنت إلى أكثر من 4.70 دولارات للبرميل.

  • تبقى سياسات إنتاج أوبك+ وتوازنات العرض العالمية عنصرًا محوريًا في تحديد مسار أسواق النفط خلال عام 2026.

تأثير التوترات الإيرانية الأميركية حاليًا

تداول خام برنت قرب أعلى مستوياته الأخيرة عند 63–65 دولارًا للبرميل، فيما تجاوز خام غرب تكساس الأميركي مستوى 60 دولارًا، في انعكاس مباشر لارتفاع علاوات المخاطر المرتبطة بالاضطرابات الداخلية في إيران واحتمالات تعطل الإمدادات. ويأتي هذا الارتفاع رغم بقاء نمو الطلب العالمي على النفط محدودًا واستمرار المخاوف من فائض المعروض.

وترجع الأزمة الإيرانية الحالية إلى موجة احتجاجات واسعة مناهضة للحكومة، تصاعدت منذ أواخر عام 2025. ومع تشديد السلطات إجراءاتها، تزايدت المخاوف من أن إيران أحد أكبر منتجي النفط في منظمة أوبك قد تواجه خسائر كبيرة في صادراتها إذا تفاقمت حالة عدم الاستقرار الداخلي. وتعكس الأسواق هذه المخاطر من خلال تسعير علاوة جيوسياسية يقدّرها بعض المحللين بنحو 3–4 دولارات للبرميل في فترات ذروة القلق بشأن تعطل الصادرات.

وتتضاعف أهمية هذه المخاطر نظرًا للموقع الاستراتيجي لإيران على البنية التحتية الحيوية لنقل النفط. إذ يُعد مضيق هرمز نقطة اختناق رئيسية، وأي تصعيد يهدد الملاحة فيه قد يدفع الأسعار إلى ارتفاعات حادة، ربما تتجاوز 80–90 دولارًا للبرميل في حال حدوث اضطراب فعلي في الإمدادات.

ورغم ذلك، لم تتحقق حتى الآن صدمـة واسعة في جانب العرض، ولا تزال الأسواق بحاجة إلى أدلة ملموسة على فقدان كميات فعلية من الإمدادات قبل تسجيل قفزات سعرية كبيرة. في الوقت الراهن، تمثل المخاطر الإيرانية عاملًا محفزًا للتقلبات، وقادرًا على إشعال موجات صعود كلما تصاعدت حدة التوترات.

الإمدادات النفطية من فنزويلا

لطالما شكّلت فنزويلا عنصرًا غير متوقع في معادلة الإمدادات العالمية، إلا أن تطورات مطلع عام 2026 تعكس مزيجًا معقدًا من الفرص والقيود. فبعد الإطاحة بنيكولاس مادورو وفرض إشراف أميركي جديد على صادرات شركة النفط الوطنية الفنزويلية (PDVSA)، بدأت فنزويلا في عكس جزء من التراجع الحاد في الإنتاج الذي رافق فترات الحظر السابقة. وقد غادرت مؤخرًا موانئ فنزويلية ناقلات عملاقة تحمل نحو 1.8 مليون برميل لكل منها، ما يشير إلى عودة تدريجية للصادرات.

مع ذلك، تبقى قدرة فنزويلا على رفع الإنتاج بشكل ملموس محدودة بفعل تدهور البنية التحتية، ونقص الاستثمارات، والمشكلات التقنية المزمنة التي أبقت الإنتاج دون إمكاناته الحقيقية رغم ضخامة الاحتياطيات. وتحذر وكالة الطاقة الدولية من أن استعادة طاقات إنتاجية كبيرة ستتطلب وقتًا ورؤوس أموال وإصلاحات جوهرية، ما يقلل من التفاؤل على المدى القصير.

وقد انعكس تدفق الإمدادات الفنزويلية بالفعل على ديناميكيات التسعير، حيث اتسع الخصم السعري لخام غرب تكساس مقارنة بخام برنت إلى أكثر من 4.70 دولارات للبرميل، وهو أكبر فارق منذ أشهر. ويعكس ذلك وفرة نسبية في المعروض داخل السوق الأميركية، ما يحد من قدرة الأسعار على الارتفاع الحاد حتى في ظل تصاعد المخاطر الجيوسياسية.

أوبك وإدارة المعروض العالمي

رغم هيمنة العناوين الجيوسياسية على حركة الأسعار قصيرة الأجل، تظل سياسات إنتاج أوبك+ وتوازن العرض الخلفية الأهم لأسواق النفط في عام 2026. فبعد الانخفاض الحاد في الأسعار خلال 2025 نتيجة فائض المعروض وضعف نمو الطلب، تبنّى كبار المنتجين نهجًا أكثر حذرًا تجاه زيادات الإنتاج. وقد أرجأ بعض أعضاء أوبك+ خطط رفع الإنتاج في بداية 2026، رغم بقاء مستويات الإنتاج الإجمالية مرتفعة.

في المقابل، ارتفعت حصة الولايات المتحدة من الإنتاج العالمي بشكل لافت، من نحو 10% في مطلع الألفية إلى قرابة 18% بحلول 2025، مدفوعة بتوسع إنتاج النفط الصخري. أما المنتجون من خارج أوبك والولايات المتحدة فحافظوا على استقرار نسبي، في حين تراجعت حصة دول أخرى تدريجيًا. وتفسر هذه التحولات تراجع القدرة التسعيرية لأوبك مقارنة بالعقود السابقة، رغم احتفاظها بتأثير ملموس على المدى القصير.

تشير المعطيات إلى أن قدرة أوبك على الحفاظ على أسعار مرتفعة باتت تعتمد بشكل متزايد على الانضباط الجماعي في الإنتاج، لا على الهيمنة المطلقة على السوق. ومع تنامي حصة الولايات المتحدة والدول غير الأعضاء في أوبك من الإمدادات النفطية، فإن أي خفض حاد للإنتاج من جانب أوبك قد يؤدي إلى فقدان حصة سوقية دون ضمان مكاسب سعرية مستدامة. لذلك، يبدو أن الاستراتيجية الحالية تركز على إدارة التقلبات بدل السعي إلى موجات صعود طويلة الأجل.

وعلى المدى القريب، يمكن للتوترات الجيوسياسية لا سيما تلك المرتبطة بإيران أن تولد ارتفاعات حادة في الأسعار، إلا أن الزيادة الهيكلية في الإمدادات من خارج أوبك تظل عاملًا كابحًا، ما لم تتحول هذه المخاطر إلى خسائر إنتاجية فعلية وطويلة الأمد. وبناءً عليه، يُرجّح أن تتحرك أسعار النفط في 2026 ضمن نطاق متقلب لكنه محدود، بدل الدخول في دورة صعود فائقة مدفوعة بسياسات أوبك وحدها.

opec

المصدر: MacroMicro

Copied