عودة الضغوط التجارية إلى الواجهة

حذّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب من أن كندا قد تواجه تعرفة جمركية بنسبة 100% على جميع صادراتها إلى الولايات المتحدة في حال مضت قدمًا في تعميق علاقاتها التجارية مع الصين. وجاءت هذه التصريحات بعد توصل كندا والصين إلى اتفاق لخفض بعض الحواجز التجارية، ما أعاد ملف التوترات التجارية إلى صدارة المشهد العالمي.

بواسطة يزيد أبو سماقة | @Yazeed Abu Summaqa | 26 يناير 2026

Copied
Tariffs-2
  • السماح بدخول 49 ألف سيارة كهربائية صينية إلى السوق الكندية.

  • ترامب يستخدم غالبًا التهديدات القصوى كورقة تفاوض.

  • تشريعات صينية حديثة تخص السلع الاستراتيجية وعلى رأسها الفضة.

كندا تبتعد عن واشنطن وتقترب من بكين

بدأت أحدث فصول التوتر التجاري بإشارة سياسية واضحة. فقد لوّح ترامب بفرض رسوم جمركية شاملة على الصادرات الكندية إذا واصلت أوتاوا تعزيز علاقاتها التجارية مع بكين. التحذير جاء عقب اتفاق كندي–صيني لخفض قيود تجارية محددة، من بينها السماح باستيراد نحو 49 ألف سيارة كهربائية صينية بتعرفة تقارب 6%، بدلًا من رسم إضافي كان يبلغ 100%.

من وجهة نظر واشنطن، لا يُعد هذا التطور مجرد تفصيل تجاري، بل خروجًا عن خط التوافق. فقد فرضت كندا تلك الرسوم في 2024 لمحاكاة السياسة الأميركية، والتراجع عنها يشير إلى تحول في أولويات السياسة الخارجية والتجارية، خصوصًا في ظل قيادة رئيس الوزراء مارك كارني، الذي زار بكين مؤخرًا في أول زيارة من نوعها منذ ثماني سنوات. وأسفرت الزيارة عن توقعات بخفض الصين للتعرفة على بذور اللفت الكندية (الكانولا)، وهي سلعة حساسة سياسيًا.

جاء رد ترامب حادًا ومألوفًا: الضغط الاقتصادي كوسيلة ردع. ولم تكن رسالته موجهة إلى كندا وحدها، بل إلى حلفاء الولايات المتحدة الآخرين. فالتحذير يعكس جوهر عقيدته التجارية، والقائمة على أن فك الارتباط الاستراتيجي مع الصين يجب أن يكون جماعيًا لا اختياريًا.

EV China

المصدر: هيئة الإحصاء الكندية

الأثر على الأسواق

فرض تعرفة بنسبة 100% سيكون مدمرًا اقتصاديًا لكندا، تستحوذ الولايات المتحدة على نحو ثلاثة أرباع الصادرات الكندية. وحتى التطبيق الجزئي لمثل هذه الرسوم قد يعطل سلاسل الإمداد في قطاعات الطاقة، والسيارات، والزراعة، والصناعة. وعلى الأرجح، لن تسعّر الأسواق سيناريو التعرفة الكاملة فورًا، لكن علاوة المخاطر ارتفعت بوضوح.

بالنسبة لكندا، يبرز عنصر عدم اليقين، حيث تجد الشركات نفسها عالقة بين قوتين اقتصاديتين كبيرتين. أما الصين، فيحمل الاتفاق بعدًا رمزيًا واستراتيجيًا، إذ يشير إلى اختراق جزئي للعزلة الدبلوماسية التي فرضها اصطفاف تجاري تقوده الولايات المتحدة.

أما الولايات المتحدة، فإن هذا النهج يعيد التقلبات التجارية في وقت لا يزال فيه التضخم مرتفعًا نسبيًا والنمو العالمي هشًا. فالتعرفة المرتفعة ستزيد التكاليف على المستهلكين والمصنّعين الأميركيين، خصوصًا في قطاعي السيارات والطاقة. ولهذا، قد تكون هذه التهديدات تكتيكًا تفاوضيًا أكثر من كونها هدفًا نهائيًا، إلا أن التصعيد المتكرر قد يحيي مخاوف تفكك تجاري عالمي أوسع.

الصين تشدّد تشريعات الفضة… وواشنطن تترقّب

يبقى السؤال المطروح: هل يقتصر تحرّك ترامب على كندا فحسب، أم أنه يشكّل ردًا غير مباشر على التشريعات الصينية الأخيرة المتعلقة بالسلع الاستراتيجية، وفي مقدمتها الفضة؟

شددت الصين الرقابة التنظيمية والتحكم الاستراتيجي في معادن أساسية، وعلى رأسها الفضة، التي تلعب دورًا محوريًا في الألواح الشمسية والسيارات الكهربائية والإلكترونيات والتقنيات الدفاعية. ورغم أن هذه الإجراءات لا تُصنف كحظر تصدير مباشر، فإنها تعزز قدرة بكين على إدارة المعروض والتسعير محليًا.

استراتيجيًا، يُعد ذلك بالغ الأهمية. فالفضة تقع عند تقاطع الطاقة النظيفة والكهرباء والسياسات الصناعية، وهي مجالات تهيمن الصين على تصنيعها. والسماح للسيارات الكهربائية الصينية بالوصول إلى أميركا الشمالية، في وقت تعزز فيه بكين سيطرتها على مدخلات حيوية، قد يُنظر إليه في واشنطن كمخاطرة طويلة الأجل.

يوحي توقيت تحذير ترامب أن الرسالة ليست عشوائية. إذ يمكن تفسيرها كمحاولة لعرقلة وصول الصين غير المباشر إلى الأسواق الغربية، ومنع الحلفاء من التحول إلى قنوات نفوذ صناعي صيني، خصوصًا في لحظة تعزز فيها بكين قبضتها على المواد الاستراتيجية.

Copied