بعد عام على "يوم التحرير"، تبدو التجارة العالمية مُنهكة… لكنها لم تنكسر

بعد عام كامل على كشف الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن ما سمّاه “رسوم يوم التحرير”، لم يتحقق الانهيار الذي خشيه كثيرون في التجارة العالمية. الصدمة كانت حقيقية، لكن الأثر الاقتصادي الفعلي جاء أقل مما توقعه كثير من المستثمرين والاقتصاديين وصنّاع السياسات، بفضل الإعفاءات، وتأجيل التنفيذ، والاتفاقات التجارية، وقدرة سلاسل الإمداد العالمية على التكيّف بسرعة أكبر مما أوحت به العناوين.

بواسطة Ahmed Azzam | @3zzamous | 5h ago

Copied
Libration day
  • متوسط الرسوم الجمركية الأميركية لم يصل أبدًا إلى نحو 20% كما كان يُخشى في البداية

  • الواردات الأميركية تباطأت، لكنها لم تنهَر، بدعم من الطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي

  • التجارة العالمية واصلت النمو رغم تهديدات الرسوم وعدم اليقين السياسي

  • المرحلة المقبلة ستشهد على الأرجح مزيدًا من تعديلات الرسوم، لكن مع صدمات كبرى أقل

صدمة الرسوم كانت حقيقية… لكنها أقل مما بدا في البداية

بعد عام من وقوف دونالد ترامب في حديقة الورود في البيت الأبيض رافعًا لوحة “يوم التحرير” الخاصة بالرسوم الجمركية، يبدو الاقتصاد العالمي أقل تضررًا بكثير مما خشيه المستثمرون والاقتصاديون وصنّاع القرار في ذلك الوقت.

الإعلان الأول أوحى بقفزة حادة في متوسط الرسوم الجمركية الأميركية نحو 20%، وهي خطوة كانت ستُمثل صدمة تجارية فعلية للاقتصاد العالمي. لكن في الواقع، هذه الضربة الكاملة لم تقع. فقد أدت الإعفاءات، والتأجيلات، وتضييق نطاق السلع المشمولة، والهدن التجارية، ثم تخفيف بعض المعدلات لاحقًا، إلى تقليص الأثر الحقيقي.

وبحلول عشية قرار المحكمة العليا الذي أبطل رسوم الإدارة المفروضة بموجب قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية، كان متوسط الرسوم الأميركية الفعّال قد ارتفع إلى نحو 13.5%، لا إلى نحو 20% كما أوحى به طرح أبريل الأصلي. وهذا يظل تحولًا مهمًا، لكنه ليس الزلزال الاقتصادي الذي كانت الأسواق قد بدأت تسعّره.

الأسواق هلعت أولًا… ثم خففت السياسة لاحقًا

رد الفعل الأول كان عنيفًا. الأسهم تراجعت، والدولار هبط، وتصاعدت مخاوف الركود، بينما حذّر اقتصاديون من مزيج من الركود التضخمي، وتباطؤ التجارة، وضربة واسعة للنمو.

لكن البيت الأبيض خفف السياسة تدريجيًا. أشد الرسوم الموجهة ضد شركاء محددين جرى تأجيلها، وبعضها خُفّض، وبعضها الآخر جرى تمييعه عبر المفاوضات. وحتى التصعيد الحاد ضد الصين لم يدم طويلًا، قبل أن يفسح المجال لهدنة تجارية أبقت الرسوم المتبادلة دون المستويات التي أُعلن عنها أولًا.

في الوقت نفسه، اتسعت قائمة الاستثناءات على مستوى المنتجات. أشباه الموصلات، والإلكترونيات، والهواتف الذكية، وأجهزة الكمبيوتر كانت من بين أبرز السلع المستثناة، ثم أُضيفت لاحقًا سلع حساسة أخرى إلى قائمة الإعفاءات. والنتيجة كانت نظام رسوم غيّر الحوافز ومسارات التجارة، لكنه لم يطابق بالكامل التهديد الأصلي الذي انطلق به.

الواردات الأميركية انحنت… لكنها لم تنكسر

أحد أوضح مؤشرات الصمود ظهر في الواردات الأميركية. فمن أبريل إلى ديسمبر 2025، تراجعت هذه الواردات بنسبة 1.7% فقط مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.

هذا تباطؤ، لا انهيار.

وأحد الأسباب الرئيسية كان طفرة الذكاء الاصطناعي. فالواردات المرتبطة بمعدات وبنية الذكاء الاصطناعي ساعدت في دعم الطلب، وكشفت في الوقت نفسه مدى اعتماد الولايات المتحدة المستمر على سلاسل الإمداد الدولية المعقدة. وإذا استُبعدت أقوى الفئات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، تبدو الصورة أضعف، مع تراجع الواردات بنحو 7%. وحتى في هذه الحالة، يبقى ما حدث أقرب إلى إعادة تكيّف منه إلى انهيار.

القصة الأهم لم تكن فقط انخفاض الواردات، بل تغيّر نوعية هذه الواردات أيضًا. المشترون الأميركيون أعادوا توزيع أنماط الشراء بين السلع والدول، ووجّهوا الطلب إلى موردين بديلين. بمعنى آخر، التجارة أعادت توجيه نفسها أسرع مما تراجعت.

المصدّرون حول العالم وجدوا طرقًا للتكيّف

خارج الولايات المتحدة أيضًا، جاءت النتيجة أقل قسوة مما كان متوقعًا. تجارة السلع العالمية واصلت التوسع، وكثير من الدول الأكثر تعرضًا للرسوم الأميركية نجحت في تعويض جزء من الخسارة عبر زيادة صادراتها إلى أسواق أخرى.

الصين هي المثال الأوضح. فبينما تباطأت صادراتها إلى الولايات المتحدة، ارتفعت صادراتها إلى بقية العالم بقوة، مدعومة جزئيًا بضعف اليوان. كما استفادت اقتصادات جنوب شرق آسيا من إعادة توزيع التدفقات، وزادت مبيعاتها إلى الولايات المتحدة وإلى أسواق أخرى، خاصة في قطاع الإلكترونيات.

المكسيك استفادت من معاملة جمركية أكثر ملاءمة نسبيًا، وصمدت أفضل من كندا، التي ظل هيكل صادراتها أكثر انكشافًا على قطاعات مثل السيارات والمعادن والطاقة. وهذا التباين أظهر أن السياسة الجمركية مهمة، لكن تركيب الصادرات مهم أيضًا.

حكم المحكمة غيّر الشكل… لا الاتجاه

قرار المحكمة العليا في فبراير ضد معظم الرسوم المفروضة بموجب قانون الطوارئ الاقتصادية أجبر الإدارة على تعديل المسار. وردّ البيت الأبيض بفرض رسم أكثر تسطحًا عند 10% بموجب المادة 122 على مجموعة مشابهة من السلع، مع الإبقاء على عدد كبير من الإعفاءات ذاتها.

هذا خفّف الضربة الجمركية المباشرة، لكنه لم ينهِ الإستراتيجية الأوسع. فالإدارة تستخدم الآن تحقيقات المادة 301، إلى جانب تحقيقات قطاعية، لإعادة بناء أجزاء من هيكل الرسوم عبر مسارات قانونية أكثر صلابة.

بمعنى آخر، الحرب التجارية لم تختفِ. لكنها تغيّرت.

ترامب مرشح للبقاء هجوميًا… لكن بشكل أكثر انتقائية

المرحلة المقبلة من السياسة التجارية الأميركية ستجلب على الأرجح مزيدًا من التعديلات، ومزيدًا من الإجراءات الموجهة، ومزيدًا من الهندسة القانونية. لكنها قد لا تحمل المستوى نفسه من الصدمة الواسعة التي رافقت “يوم التحرير”.

جزء من ذلك سياسي. فمع بقاء التضخم وكلفة المعيشة قضيتين حسّاستين — وزادتهما صدمة الطاقة المرتبطة بإيران سوءًا — أصبح لدى البيت الأبيض سبب أكبر لتجنب خطوات جمركية جديدة ومفاجئة تضرب المستهلكين بسرعة. شيء أن تعيد تشكيل الرسوم القائمة، وشيء آخر أن تُطلق صدمة تكلفة جديدة وواضحة أمام الناس.

ولهذا، يبدو أن المسار الأرجح من هنا ليس تراجعًا كاملًا، بل استمرارًا أضيق وأكثر انتقائية.

درس "يوم التحرير" بعد عام

بعد عام، ليس الدرس من "يوم التحرير" أن الرسوم الجمركية بلا أثر. على العكس، لقد كان لها أثر واضح. فهي غيّرت قرارات التوريد، وأعادت توجيه التدفقات، ورفعت مستوى عدم اليقين في الأسواق العالمية.

لكن الدرس الحقيقي هو أن أنظمة التجارة العالمية أكثر فوضوية ومرونة وقدرة على التكيف مما افترضته التقديرات الأكثر تشاؤمًا. الشركات عدّلت أوضاعها. الحكومات تفاوضت. سلاسل الإمداد أعادت رسم مساراتها. وفي النهاية، كان العبء الجمركي الفعلي أقل من العبء الذي جرى التلويح به في البداية.

لذلك، استطاع الاقتصاد العالمي امتصاص الصدمة بصورة أفضل من المتوقع. ليس لأن السياسة كانت بلا ضرر، لكن لأن نسختها النهائية جاءت أقل تطرفًا، ولأن التجارة العالمية، رغم كل مواطن ضعفها، أثبتت أنها أصعب على الكسر مما هي سهلة على التهديد.

Copied