بنك إنجلترا يتجه لتثبيت أسعار الفائدة
تتجه الأنظار إلى القرار المرتقب من بنك إنجلترا، حيث تتوقع الأسواق على نطاق واسع أن يقوم صناع السياسة بتثبيت أسعار الفائدة عند مستوى 3.75%. وبعد دورة تشديد نقدي حادة استمرت على مدار العامين الماضيين، يواجه البنك المركزي الآن توازنًا أكثر حساسية؛ إذ بدأ التضخم في التراجع، في حين يظهر الاقتصاد علامات واضحة على تباطؤ الزخم.
سجلت المملكة المتحدة فائضًا تجاريًا قدره 3.92 مليار جنيه إسترليني في يناير 2026.
تراجع التضخم إلى 3%، مواصلًا اتجاهه الهبوطي واقترابه من هدف بنك إنجلترا.
المرجح أن يعتمد المسار المستقبلي للسياسة النقدية على الطرف الذي سيهيمن على المشهد الاقتصادي.
إشارات متباينة من الاقتصاد
تعكس البيانات الاقتصادية الأخيرة مدى التباين في أداء الاقتصاد البريطاني. فعلى صعيد القطاع الخارجي، سجلت المملكة المتحدة فائضًا تجاريًا قدره 3.92 مليار جنيه إسترليني في يناير 2026، في تحول حاد مقارنة بعجز بلغ 4.34 مليار جنيه في الشهر السابق. كما يُعد هذا أول فائض منذ سبتمبر 2024، ما يشير إلى أن الطلب على الصادرات البريطانية ظل أقوى من المتوقع، أو أن الواردات تراجعت بالتوازي مع ضعف الاستهلاك المحلي.
في المقابل، تبدو الصورة الداخلية أكثر ضعفًا. فقد استقر الناتج المحلي الإجمالي على أساس شهري في يناير، مخالفًا التوقعات التي كانت تشير إلى نمو بنسبة 0.2%، وذلك بعد تسجيل ارتفاع طفيف بنسبة 0.1% في ديسمبر. وتكشف التفاصيل عن إشارات أكثر إثارة للقلق، حيث لم يسجل قطاع الخدمات، الذي يمثل العمود الفقري للاقتصاد البريطاني، أي نمو يُذكر، بينما انكمشت أنشطة الخدمات الإدارية والداعمة بنسبة 2.3%، لتشكل العامل الأكبر في سحب الأداء العام.
تشير هذه المعطيات إلى اقتصاد يفقد زخمه تدريجيًا، حتى وإن لم تعكس المؤشرات الرئيسية هذا التباطؤ بشكل كامل حتى الآن.

المصدر: مكتب الإحصاءات الوطنية
سوق العمل واتجاهات التضخم
بدأت سوق العمل تُظهر علامات أوضح على الضغوط مع انتقال آثار التشديد النقدي إلى الاقتصاد الحقيقي. فقد ارتفع معدل البطالة إلى 5.2%، وهو أعلى مستوى منذ عام 2021، ما يعكس تباطؤًا تدريجيًا في التوظيف ونهجًا أكثر حذرًا من الشركات في ظل ارتفاع تكاليف الاقتراض وضعف الطلب. كما تراجعت مستويات الوظائف الشاغرة، في إشارة إلى أن الشركات أصبحت أقل اندفاعًا في توسيع قوتها العاملة. ورغم أن الوضع لا يزال تحت السيطرة، فإن الارتفاع المستمر في البطالة يشير إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي بشكل عام.
في الوقت ذاته، تراجع التضخم إلى 3%، مواصلًا اتجاهه الهبوطي واقترابه من هدف بنك إنجلترا. وقد جاء هذا التراجع مدعومًا بانخفاض أسعار الطاقة وتباطؤ تضخم السلع، رغم بقاء تضخم الخدمات عند مستويات مرتفعة نسبيًا. ويوفر هذا الانخفاض مساحة للبنك المركزي لالتقاط الأنفاس بعد فترة طويلة من رفع أسعار الفائدة، إلا أن استمرار التضخم فوق المستوى المستهدف يعني أن صناع السياسة سيظلون حذرين، ما يحد من سرعة التحول نحو خفض الفائدة.
ما الذي تراقبه الأسواق
بشكل عام، تدعم هذه البيانات خيار تثبيت أسعار الفائدة. فالإبقاء على المعدلات عند 3.75% يمنح بنك إنجلترا الفرصة لتقييم تأثير التشديد السابق على الاقتصاد دون إضافة ضغوط جديدة في المدى القريب.
ومن المرجح أن يعتمد المسار المستقبلي للسياسة النقدية على الطرف الذي سيهيمن على المشهد الاقتصادي. فإذا استمر التضخم في التراجع بالتزامن مع ضعف النمو، قد يتحول النقاش تدريجيًا نحو خفض أسعار الفائدة في وقت لاحق من عام 2026. أما إذا ظلت الضغوط التضخمية أكثر استمرارية، فقد يضطر البنك إلى الإبقاء على معدلات الفائدة مرتفعة لفترة أطول مما تتوقعه الأسواق حاليًا.
ينتقل التركيز من القرار نفسه إلى نبرة التوجيه المستقبلي، حيث إن أي إشارة إلى تزايد القلق بشأن النمو قد تعزز توقعات التيسير النقدي، بينما يشير التشدد في التعامل مع التضخم إلى استمرار السياسة التقييدية لفترة أطول.
بشكل عام، تبدو البيئة الحالية كمرحلة انتقالية أكثر من كونها اتجاهًا واضحًا. فالاقتصاد البريطاني لم يعد يعاني من فرط النشاط، لكنه لم يدخل بعد في مرحلة انكماش حاد، مما يدفع البنك المركزي إلى تبني سياسة الانتظار والترقب، مع الاستعداد للتكيف مع تطورات الأوضاع الاقتصادية خلال الفترة المقبلة.

المصدر: بنك انجلترا