التباين بين بنك إنجلترا والفيدرالي يضع الأسواق أمام تساؤل: من يصمد أطول بنبرة تشدديه؟

لم يعد التباين بين بنك إنجلترا والاحتياطي الفيدرالي متمحور حول مستويات الفائدة فحسب، بل بات يتعلق بمدى القناعة بالمسار النقدي المتبع.

بواسطة يزيد أبو سماقة | @Yazeed Abu Summaqa

GBPUSD
  • الأسواق ترى حالياً فرصة بنسبة 50% لرفع الفائدة مرة أخرى في يونيو.

  • السؤال لم يعد من سيبدأ بالخفض أولاً؟، بل من يملك القدرة على الانتظار لفترة أطول؟

  • اختراق مستويات المقاومة 1.37–1.38 قد يفتح الطريق أمام الإسترليني نحو مستوى 1.42.

الانقسام داخل بنك إنجلترا يزداد وضوحاً

تُقدر الأسواق الآن احتمالية رفع سعر الفائدة في يونيو بنسبة 50% تقريباً، وهو ما يعكس حالة الضبابية التي تكتنف آفاق السياسة النقدية في أعقاب صدمة الطاقة الأخيرة واستمرار الضغوط التضخمية. ولا يزال بعض صُنّاع السياسة قلقين من أن الإبقاء على الفائدة دون تغيير لفترة طويلة قد يسمح بتسرب تكاليف الطاقة المرتفعة إلى الأجور والخدمات وتوقعات التضخم الأوسع. وفي المقابل، يخشى آخرون أن يؤدي التشديد الإضافي إلى ضغوط غير ضرورية على اقتصاد بدأت تظهر عليه بالفعل علامات التباطؤ.

التوتر ذاته ينتقل إلى أروقة الفيدرالي

قرار الفيدرالي الأخير بالإبقاء على الفائدة دون تغيير كشف واحدًا من أكبر الانقسامات داخل البنك منذ عقود. فعدد من الاعضاء رأوا أن ميل السياسة الحالي نحو التيسير قد يكون مبكرًا أكثر من اللازم.

وهذا الخلاف مهم، لأنه يعكس تصاعد القلق داخل جزء من الفيدرالي من أن الأسواق قد تكون تقلل من تقدير مدى استمرارية مخاطر التضخم إذا بقيت أسعار الطاقة مرتفعة لفترة أطول. بمعنى آخر، بعض المسؤولين لم يعودوا مقتنعين بأن التضخم يسير تلقائيًّا نحو الانخفاض المريح الذي تتوقعه الأسواق.

وهناك طبقة أخرى من التوتر بدأت تظهر أيضًا النقاش لم يعد يدور فقط حول مستويات التضخم نفسها، بل حول الطريقة التي يجري بها تعريف التضخم سياسيًّا ومؤسسيًّا.

ومع اقتراب مرحلة تغيير قيادة الفيدرالي، بدأ بعض المشاركين في السوق يبدون قلقًا من احتمال أن يعتمد البنك بصورة أكبر على مقاييس تضخم تستثني أسعار الطاقة المتقلبة، بهدف تبرير خفض الفائدة لاحقًا. المنتقدون يرون أن هذا النهج قد يقلل من حجم الضغوط التضخمية الحقيقية التي يشعر بها المستهلكون، خصوصًا خلال فترات صدمات الطاقة المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية.

فالأسواق قد تكون قادرة على تجاهل تقلبات النفط داخل النماذج الإحصائية. لكن المستهلك لا يستطيع تجاهل أسعار الوقود، والنقل، والطاقة داخل حياته اليومية. ولهذا لا تبدو المعركة المقبلة داخل الفيدرالي مقتصرة على توقيت خفض الفائدة فقط.

بل ربما تمتد أيضًا إلى سؤال أكثر حساسية؛ أي نسخة من التضخم سيختار البنك التركيز عليها عندما تبدأ لحظة التيسير الفعلي بالاقتراب؟

التوازن الصعب بين النمو المتباطئ والموجة الثانية من التضخم

غالباً ما تركز البنوك المركزية على التضخم الأساسي لأن أسعار الطاقة يمكن أن تتأرجح بحدة في كلا الاتجاهين. لكن من الناحية السياسية والاقتصادية، لا تزال الأسر تشعر بالتأثير المباشر لتكاليف الوقود والكهرباء والتدفئة. وإذا ظل تضخم الطاقة مرتفعاً لفترة كافية، فمن النادر أن يظل معزولاً عن بقية قطاعات الاقتصاد الكلي.

لقد اختار كلا المصرفين "التريث"، لكن أياً منهما لا يشعر بالارتياح؛ فبنك إنجلترا يصارع التضخم المتزايد والضجيج السياسي، بينما يدير الفيدرالي انقساماً داخلياً وتحولاً في القيادة قد يعيد تعريف كيفية تفسير التضخم نفسه. وبالنسبة للأسواق، لم يعد السؤال من سيخفض أولاً؟، بل من يملك القدرة على الانتظار لفترة أطول؟

النظرة الفنية

يبدو زوج باوند مقابل الدولار وكأنه يدخل تدريجيًّا في اتجاه صاعد بعد دورة هبوط طويلة استمرت لفترة ممتدة.

لكن التطور الأهم فعليًّا كان نجاح الزوج في اختراق خط الاتجاه الهابط طويل الأجل، وهو الخط الذي سيطر على حركة السعر لسنوات تقريبًا. هذا الاختراق غيّر طبيعة السوق بصورة واضحة، لأنه يشير إلى أن البائعين بدأوا يفقدون هيمنتهم تدريجيًّا، بينما بدأ المشترون ببناء سلسلة من القيعان الصاعدة ومناطق الدعم الأقوى.

السعر يتحرك حاليًّا فوق المتوسط المتحرك لـ 126 يومًا، وهي إشارة تدعم تحسن الصورة على المدى المتوسط. كما أن منطقة 1.30443 تكتسب أهمية خاصة، لأنها تحولت من مقاومة سابقة إلى منطقة دعم رئيسية، بينما فشلت التصحيحات الأخيرة في كسرها هبوطًا، وهو ما يوحي بوجود طلب مؤسسي يمتص الهبوط.

وفي الوقت نفسه، ما يزال خط الدعم الصاعد الممتد من القاع الرئيسي قرب 1.03848 قائمًا، ما يعزز فكرة أن الاتجاه الصاعد ما يزال يتماسك . اختلاف السياسة النقدية بدأ يدعم الإسترليني جزء مهم من هذا التحول يرتبط بتغير نظرة الأسواق إلى الفجوة بين سياسة الفيدرالي وبنك انجلترا.

فالأسواق بدأت تميل بصورة متزايدة إلى الاعتقاد بأن دورة قوة الدولار الأميركية قد تبدأ بالاعتدال تدريجيًّا، مع تباطؤ التضخم الأميركي وارتفاع التوقعات بخفض الفائدة مستقبلًا. في المقابل، استفاد الجنيه الإسترليني من استمرار صلابة تضخم الخدمات في بريطانيا، إلى جانب توقعات بأن تبقى الفائدة البريطانية مرتفعة لفترة أطول مما كان متوقعًا سابقًا. وهذا التضييق في فجوة السياسة النقدية ساعد على استقرار الإسترليني بعد سنوات من التقلبات الحادة المرتبطة بالأزمات المالية البريطانية وهيمنة الدولار عالميًّا.

السيناريوهات المقبلة

السيناريو الإيجابي يعتمد على قدرة الزوج على الحفاظ على التداول فوق منطقة 1.30، ثم اختراق منطقة المقاومة بين 1.37 و1.38. هذه المنطقة تمثل اتجاه عرض رئيسي ظهر عنده البائعون مرارًا خلال المحاولات الصاعدة السابقة، ولذلك فإن أي اختراق فوقها قد يؤدي إلى تحول كبير في تمركزات السوق.

وفي هذه الحالة، قد تبدأ الأسواق بقراءة الحركة باعتبارها تأكيدًا على دخول الدولار في دورة ضعف، ما قد يفتح الطريق تدريجيًّا نحو منطقة 1.42 وربما أعلى على المدى الطويل. اذا تباطئ التضخم الأمريكي، وتراجعت عوائد السندات، واستقرار الاقتصاد البريطاني، كلها عوامل قد تدعم هذا السيناريو الصاعد.

أما السيناريو السلبي، فيبدأ إذا اغلق الزوج أسفل مقاومة 1.37 واغلق السعر اسفل خط الدعم الصاعد قرب 1.30.

مثل هذه الحركة ستشير إلى أن الاختراق الأخير يفتقر إلى القناعة الكافية على المدى الطويل، وأن السوق ما تزال عرضة لعودة قوة الدولار من جديد. أي تحسن قوي في الاقتصاد الأميركي، أو بقاء التضخم مرتفعًا، أو عودة الفيدرالي إلى لهجة أكثر تشددًا، قد يدفع الدولار سريعًا إلى استعادة زخمه ويضغط على الإسترليني هبوطًا.

وإذا كسر السعر منطقة 1.30، فقد يعود الزوج للتراجع نحو 1.25 في إشارة إلى أن الصعود الحالي كان مجرد تصحيح داخل الاتجاه الهابط ، لا بداية انعكاس في الاتجاه.

GBPUSD

المصدر: Trading View