الركود التضخمي: أسبابه ومخاطره وتأثيره في الأسواق
الركود التضخمي من أسوأ البيئات الاقتصادية التي قد يواجهها المستثمر. فهو يجمع بين ارتفاع الأسعار وضعف النمو وارتفاع البطالة، بما يضع الأسر تحت ضغط مباشر، ويضغط على الشركات، ويترك صناع السياسة أمام معادلة صعبة لا حلول سهلة فيها.
الركود التضخمي يعني تضخمًا مرتفعًا، ونموًا ضعيفًا، وبطالة تتجه للارتفاع.
خطورته تكمن في أن معالجة أحد جانبي المشكلة قد تزيد الجانب الآخر سوءًا.
صدمات العرض، وأخطاء السياسات، والحواجز التجارية كلها قد تسهم في ظهوره.
في هذه البيئة، قد تتعرض الأسهم والسندات للضغط في الوقت نفسه.
ما هو الركود التضخمي؟
الركود التضخمي هو اجتماع ثلاثة عناصر لا تستمر عادة معًا طويلًا؛ تضخم مرتفع وعنيد، ونمو اقتصادي بطيء أو سلبي، وبطالة مرتفعة. وهذا بالضبط ما يجعله حالة مربكة ومؤلمة.
فالتضخم وحده مؤذ، لكنه قد يظهر في اقتصاد ينمو. والركود وحده ضار، لكنه غالبًا ما يأتي مع تباطؤ في الأسعار. أما الركود التضخمي، فهو مختلف لأنه يضرب جانبي المعادلة دفعة واحدة؛ الأسعار تواصل الارتفاع، في وقت يتعثر فيه النمو وتضعف فيه سوق العمل.
لماذا يعد بهذه الخطورة؟
ما يخيف الاقتصاديين والمتداولين في الركود التضخمي هو أنه يضع السياسة النقدية والاقتصادية في مأزق حقيقي. فإذا شدد البنك المركزي سياسته لكبح التضخم، فإنه يخاطر بزيادة البطالة وتعميق ضعف النمو. وإذا خفف السياسة لدعم النشاط والوظائف، فقد يجعل التضخم أكثر صعوبة في السيطرة.
هذا التوتر يصيب مباشرة جوهر مهمة الاحتياطي الفيدرالي والبنوك المركزية أجمع، أي تحقيق أقصى قدر من التوظيف مع استقرار الأسعار. ففي فترات التباطؤ التقليدية، يكون بإمكان صناع القرار الميل بوضوح إلى جهة واحدة. أما في الركود التضخمي، فكل خطوة لها ثمن.
ما الذي يسببه عادة؟
غالبًا ما يبدأ الركود التضخمي من جانب العرض، لا من مجرد هبوط في الطلب. والمثال الكلاسيكي هنا هو صدمة الطاقة. فعندما تقفز أسعار النفط بقوة، ترتفع تكلفة النقل، والتصنيع، والتدفئة، وإنتاج الغذاء. وتنقل الشركات جزءًا من تلك الزيادة إلى المستهلك، بينما تتآكل القدرة الشرائية للأسر، ويتباطأ النمو حتى مع استمرار التضخم.
وتشير قراءة التاريخ الاقتصادي الأميركي، وخصوصًا تجربة السبعينيات، إلى أن صدمات النفط كانت من أبرز المحركات للركود التضخمي آنذاك، حتى وإن ساهمت أخطاء السياسة النقدية في ترسيخ التضخم بشكل أعمق.
دور أخطاء السياسات والقيود الهيكلية
الطاقة ليست القصة كلها. فالتيسير النقدي الزائد، والسياسات المالية التوسعية أكثر من اللازم، أو التأخر في الاستجابة، كلها قد تجعل التضخم أكثر صعوبة في الاحتواء.
كما أن القيود الهيكلية تلعب دورًا مهمًا. فإذا كان الاقتصاد غير قادر على رفع الإنتاج بسهولة بسبب نقص العمالة، أو ضعف الإنتاجية، أو اختناقات الإمداد، أو ضعف الاستثمار، فإن أي ضغط على الطلب يتحول بسرعة أكبر إلى ارتفاع في الأسعار بدل أن يتحول إلى زيادة في الإنتاج. ولهذا فإن الركود التضخمي ليس مجرد "تضخم مع بطالة"، بل هو حالة أعمق يفقد فيها الاقتصاد مرونته في الوقت الذي تواصل فيه التكاليف الارتفاع.
لماذا تغذي الرسوم الجمركية والحواجز التجارية الركود التضخمي؟
تستحق الرسوم الجمركية اهتمامًا خاصًا لأنها قد تعمل كصدمة عرض بطيئة الاحتراق. فهي ترفع تكلفة الواردات، وتزيد أسعار المدخلات على الشركات، وتعقد سلاسل الإمداد، وتخفض الكفاءة في كثير من الحالات من دون أن تخلق بديلًا محليًا فوريًا.
والنتيجة أن الأسعار قد ترتفع في الوقت الذي يضعف فيه النمو. ولهذا عاد الحديث عن الركود التضخمي بقوة كلما ارتبطت السياسات التجارية بارتفاع التكاليف وتراجع الثقة وتباطؤ النشاط.
ماذا يفعل بالأسر؟
الركود التضخمي قاس على الأسر لأنه يضغط على مستويات المعيشة من جهتين في وقت واحد. فأسعار الأساسيات مثل الغذاء والوقود والإيجارات والنقل تواصل الصعود، بينما لا يواكب نمو الأجور هذا الارتفاع بالقيمة الحقيقية. وإذا تزامن ذلك مع ضعف في الأمان الوظيفي، تتضاعف الضغوط على العائلات.
ولهذا اكتسب ما يعرف بـ"مؤشر البؤس" شهرة في السبعينيات، لأنه ببساطة يجمع بين التضخم والبطالة كمقياس تقريبي للألم الاقتصادي. ورغم بساطته، فإن منطقه واضح: عندما يرتفع التضخم والبطالة معًا، تتصاعد الضغوط المالية اليومية بسرعة.
لماذا تعاني الأسواق في بيئة ركود تضخمي؟
الركود التضخمي بيئة صعبة على المحافظ التقليدية لأن الأسهم والسندات قد تتعرضان للضغط معًا. فالأسهم تتأثر لأن تباطؤ النمو يضغط على الإيرادات والهوامش، بينما تؤدي الفائدة المرتفعة أو مخاوف التضخم إلى تقليص الدعم التقييمي.
أما السندات، فتتضرر لأن التضخم يلتهم القيمة الحقيقية للعائد الثابت، كما ترتفع العوائد عادة عندما يطلب المستثمرون تعويضًا أكبر. وبمعنى آخر، الأصلان اللذان يفترض عادة أن يوازنا بعضهما قد يخذلان المستثمر في التوقيت نفسه.
ما الذي يصمد بشكل أفضل؟
لا يوجد أصل محصن بالكامل، لكن التاريخ يوحي بأن بعض المجالات تصمد أفضل من غيرها. فالقطاعات الدفاعية في الأسهم، مثل الرعاية الصحية والسلع الاستهلاكية الأساسية والمرافق، أظهرت في كثير من الفترات قدرًا أعلى من التماسك لأن الطلب على منتجاتها أقل ارتباطًا بالدورة الاقتصادية.
كما أن الأصول الحقيقية وأدوات التحوط من التضخم تحظى عادة باهتمام أكبر في مثل هذه الأجواء. السلع والذهب مثالان واضحان، وكذلك السندات المحمية من التضخم، التي صممت أساسًا لتقليل أثر تآكل القوة الشرائية داخل أدوات الدخل الثابت. لا شيء من ذلك يمثل درعًا كاملًا، لكنه غالبًا أكثر صلة من أصول النمو طويلة الأجل حين يصبح الحديث عن الركود التضخمي جديًا.
درس السبعينيات الذي لا يزال المستثمرون يدرسونه
تبقى السبعينيات الحالة المرجعية الأشهر، لأنها أظهرت كيف يمكن للركود التضخمي أن يتحول إلى مشكلة طويلة الأمد وصعبة سياسيًا. فقد دفعت صدمات النفط، وارتفاع توقعات التضخم، وضعف الاستجابة السياسية، الاقتصاد الأميركي إلى بيئة اتسمت بتضخم مرتفع وضعف في سوق العمل.
ولم يكن كسر تلك الحلقة ممكنًا إلا عبر تشديد قوي من جانب الاحتياطي الفيدرالي بقيادة بول فولكر، وهو ما ساعد في استعادة استقرار الأسعار، لكن بثمن اقتصادي قاس تمثل في ركود حاد في مطلع الثمانينيات. ولهذا تأخذ الأسواق خطر الركود التضخمي بجدية: فعندما تترسخ توقعات التضخم، تصبح كلفة العلاج مرتفعة.
ما الذي ينبغي على المتداولين والمستثمرين مراقبته الآن؟
الخلاصة العملية ليست أن يذعر المستثمر مع كل موجة تضخم، بل أن يراقب تركيبة المشهد. فمخاطر الركود التضخمي ترتفع عندما يبقى التضخم لزجًا في وقت تبدأ فيه مؤشرات النمو بالضعف، وتظهر شروخ في سوق العمل. وإذا تزامن ذلك مع صدمات طاقة، أو رسوم جمركية، أو اضطرابات جديدة في الإمداد، تصبح الصورة الكلية أكثر خطورة.
وبالنسبة إلى المتداول، فهذا يعني عادة قدرًا أكبر من الحذر تجاه أسهم النمو طويلة الأجل، واهتمامًا أكبر بالسلع والقطاعات الدفاعية، ومراقبة أشد لإعادة تسعير السندات. الركود التضخمي ليس السيناريو الأساسي في معظم الأوقات، لكنه عندما يبدأ بالتشكل يغيّر حالة الاستثمار بسرعة.
الأسئلة الشائعة
ما هو الركود التضخمي ببساطة؟
هو اجتماع تضخم مرتفع، ونمو ضعيف، وبطالة مرتفعة في الوقت نفسه.
لماذا يعد الركود التضخمي سيئًا إلى هذا الحد؟
لأن محاربة التضخم قد تضر بالنمو، بينما دعم النمو قد يزيد التضخم سوءًا.
ما الذي يسبب الركود التضخمي عادة؟
صدمات العرض، وأخطاء السياسات، والحواجز التجارية من أكثر الأسباب شيوعًا.
ما الأصول التي تميل إلى الصمود بشكل أفضل؟
القطاعات الدفاعية، والسلع، والذهب، والسندات المرتبطة بالتضخم غالبًا ما تصبح أكثر حضورًا في هذا النوع من البيئات.