كم صدمة تضخمية أخرى يستطيع الفيدرالي أن يتجاهلها؟

أمضى الاحتياطي الفيدرالي سنوات وهو يدافع عن فكرة أن قفزات التضخم المرتبطة بصدمات العرض لا يجب أن تدفعه تلقائيًّا إلى تغيير السياسة النقدية. هذا المنطق ما زال قائمًا حتى الآن، لكن بعد موجة جديدة من ارتفاع الأسعار يقودها هذه المرة أثر صدمة الطاقة المرتبطة بإيران، لم يعد السؤال الأصعب هو ما إذا كان الفيدرالي ينبغي أن يتدخل فورًا، بل كم عدد الصدمات المؤقتة الإضافية التي يمكن للأسر والشركات تحمّلها قبل أن يتوقفوا عن تصديق أن التضخم سيعود فعلًا إلى 2%.

بواسطة Ahmed Azzam | @3zzamous

Copied
US inflation 15-4-2026
  • قفز التضخم العام في مارس بوضوح مع ارتفاع أسعار البنزين.

  • لا يزال لدى الفيدرالي مبرر لتجاوز صدمة أسعار الطاقة في الوقت الحالي.

  • الخطر الأكبر يكمن في ارتفاع تدريجي لتوقعات التضخم على المدى الطويل.

  • إذا فقدت هذه التوقعات مرساتها، فقد لا يبقى أمام الفيدرالي سوى التحرك.

صدمة تضخمية جديدة واختبار جديد للفيدرالي

يجد الاحتياطي الفيدرالي نفسه مرة أخرى أمام السؤال نفسه بصيغة أكثر إزعاجًا؛ هل يستحق ارتفاع جديد في التضخم ردًا في السياسة النقدية، أم أن الأفضل هو التريث؟ ظاهريًّا، لا يزال الجواب هو التريث. بيانات أسعار المستهلكين في مارس جاءت أكثر سخونة من فبراير، لكن الصورة العامة لم تكن صورة اقتصاد يخرج عن السيطرة بسبب طلب داخلي مفرط. ما رفع التضخم العام بقوة كان صعود أسعار البنزين المرتبط بالتوتر مع إيران، فيما بقي التضخم الأساسي أكثر هدوءًا نسبيًّا.

US inflation in Mar

المصدر: TradingEconomics

وهذا الفارق مهم جدًا. فالبنوك المركزية، في الظروف العادية، تحاول أن تتجاوز صدمات العرض المؤقتة بدل أن ترد عليها مباشرة، خصوصًا عندما لا يكون سبب ارتفاع الأسعار هو اندفاع الطلب، بل قفزة مفاجئة في تكاليف الطاقة المستوردة. رفع الفائدة في مواجهة هذا النوع من الصدمات قد يفاقم الضرر بدل أن يعالجه.

لا تزال هناك حجة قوية للانتظار

حتى الآن، لا تزال لدى الفيدرالي أسباب وجيهة لعدم المبالغة في رد الفعل. فإذا استبعدنا الطاقة، نرى أن ضغوط الأسعار في أجزاء واسعة من الاقتصاد واصلت التراجع، ولو بوتيرة أبطأ مما كان مأمولًا. كذلك فإن سوق العمل لا يبعث رسالة حاسمة بعد. فهناك مزيج غير معتاد من ضعف التوظيف ومحدودية التسريحات، وهو وضع لا يمنح صناع القرار إشارة واضحة تدفعهم بقوة نحو التيسير أو التشديد.

في هذا السياق، يبقى الانتظار خيارًا منطقيًّا. فإذا تراجعت صدمة النفط، قد يعود التضخم إلى مساره النزولي من دون أن يضطر الفيدرالي إلى التدخل. هذا هو الرهان الذي اعتمد عليه البنك المركزي في كل مرة واجه فيها اضطرابًا مؤقتًا خلال الأعوام الأخيرة.

المشكلة الحقيقية هي تراكم الصدمات

لكن هنا يبدأ الجزء الأكثر حساسية. صدمة مؤقتة واحدة يمكن استيعابها. أما سلسلة من الصدمات المؤقتة الممتدة على سنوات، فسرعان ما تبدأ بفقدان صفة المؤقت.

هذا هو الخطر الأعمق الذي يواجهه الفيدرالي الآن. فالتضخم أمضى نحو خمس سنوات فوق المستوى المستهدف بأشكال مختلفة، تتخلله أزمات، حروب، رسوم جمركية، توسع مالي، واضطرابات في الطاقة. وفي لحظة ما، قد تتوقف الأسر والشركات عن التعامل مع هذه القفزات كحوادث استثنائية، وتبدأ بالنظر إليها على أنها الحالة الطبيعية الجديدة للاقتصاد.

هذا التحول الذهني هو ما ينبغي أن يقلق الفيدرالي أكثر من أي قراءة شهرية منفردة.

التوقعات أهم من الصدمة نفسها

طالما بقيت الأسر والشركات تؤمن بأن التضخم سيعود في النهاية إلى 2%، فإن البنك المركزي يحتفظ بمساحة للمناورة وبالقدرة على الصبر. لكن إذا بدأت هذه الثقة بالتآكل، تصبح السيطرة على التضخم أصعب بكثير. حينها تصبح الشركات أسرع في رفع الأسعار، ويصبح العمال أسرع في المطالبة بأجور أعلى، وتبدأ الأسواق المالية بالتعامل مع هدف الفيدرالي على أنه أمنية أكثر منه مرساة حقيقية.

حتى الآن، لم يحدث هذا الانفلات بشكل حاسم. ما زالت توقعات التضخم الطويلة الأجل ضمن نطاق مقبول نسبيًّا. لكن مساحة الارتياح تضيق. وربما لا تكفي صدمة نفطية واحدة وحدها لفك هذه المرساة، إلا أن سلسلة من الصدمات المتكررة، التي يجري التعامل معها كل مرة على أنها مؤقتة، قد تنتهي في النهاية إلى كسرها.

البيت الأبيض لا يجعل مهمة الفيدرالي أسهل

المشهد السياسي والاقتصادي المحيط بالفيدرالي أصبح أكثر تعقيدًا. فالحواجز التجارية، والتصعيد الجيوسياسي، والتوسع المالي، والضغوط المتكررة على استقلالية المؤسسات، كلها عوامل تعزز الانطباع بأن بيئة التضخم أصبحت أقل استقرارًا من الناحية البنيوية.

هذا لا يعني أن كل قرار يصدر من واشنطن يولّد التضخم تلقائيًّا وبشكل مباشر. لكنه يعني أن مزيج السياسات العام يجعل من الأصعب على الفيدرالي إقناع الناس بأن استقرار الأسعار يعود تدريجيًّا. وكلما زادت الفوضى في البيئة السياسية، أصبحت نفسية التضخم أقل تسامحًا مع التبريرات المؤقتة.

ما زال الفيدرالي قادرًا على الانتظار

حتى الآن، لم يصل الفيدرالي إلى نقطة تُجبره على التخلي عن نهج الانتظار والمراقبة. فالتضخم الأساسي لم ينفجر، والنمو لم ينهَر، والارتفاع الأخير في الطاقة قد يثبت في النهاية أنه مؤقت. من هذه الزاوية، لا يزال الصبر هو الخيار الافتراضي الصحيح.

لكن هذا الصبر لم يعد بلا ثمن. ففي كل مرة يرتفع فيها التضخم من جديد ويشرح البنك المركزي لماذا ينبغي تجاهله، ينفق جزءًا إضافيًّا من رصيده في المصداقية. والمصداقية، بخلاف النفط، ليست شيئًا يمكن تعويضه بسرعة عندما تبدأ الأسواق بالاعتقاد أنها تنفد.

الخطر المقبل ليس التضخم وحده بل فقدان المصداقية

هذا هو الدرس الحقيقي من الصدمة الأخيرة. السؤال العاجل ليس فقط ما إذا كان الفيدرالي يستطيع أن يتجاوز موجة تضخمية جديدة، بل ما إذا كان الجمهور سيواصل منحه هذه المساحة.

إذا بدأت توقعات التضخم الطويلة الأجل بالارتفاع، فسيتغير النقاش فورًا. عندها لن يكون الفيدرالي بصدد تحديد كيفية التعامل مع صدمة طاقة مؤقتة، بل سيكون في معركة للدفاع عن الفكرة نفسها، فكرة أن هدف 2% ما زال يعني شيئًا بالفعل.

وعندما تبدأ هذه المعركة، يصبح الانتظار أكثر كلفة بكثير.

Copied