تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران يخنق شريان النفط العالمي
لطالما كان مضيق هرمز نقطة محورية في أسواق الطاقة، لكن الاضطرابات الأخيرة كشفت مدى هشاشة النظام العالمي بشكل غير مسبوق. إرسال الصين لخمس سفن لا يلفت الانتباه بسبب حجمه، بل لأنه يعكس مدى تراجع النشاط. المضيق لم يُغلق بالكامل، لكنه بعيد جداً عن العمل بشكل طبيعي.
تراجع صادرات الغاز من قطر والإمارات بأكثر من 300 مليون متر مكعب يومياً.
سوق النفط الفوري يعتمد على الثقة، وهذا النقص في الثقة هو ما يحدد المشهد الحالي.
أمن الطاقة الصيني تحت الضغط
لطالما كان مضيق هرمز منطقة يراقبها السوق بهدوء إلى أن يحدث خلل مفاجئ. في الظروف الطبيعية، يمر عبره نحو 20 مليون برميل يومياً، أي ما يقارب 20–25% من تجارة النفط البحرية العالمية. إضافة إلى ذلك، يمر حوالي 112 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال سنوياً، أي نحو خمس التجارة العالمية. يومياً، تعبر بين 100 و135 سفينة هذا الممر الضيق، ما يجعله شرياناً حيوياً يربط إمدادات الشرق الأوسط بالأسواق العالمية.
ما يميز الوضع الحالي ليس فقط التعطّل، بل حجم التراجع. التدفقات هبطت إلى نحو مليون برميل يومياً، أي جزء بسيط من مستوياتها الطبيعية. وتشير تقديرات منظمة الطاقة العالمية إلى أن ذلك يعادل صدمة عرض عالمية بنحو 8 ملايين برميل يومياً، وهو ما يكفي لإعادة تشكيل تسعير الطاقة عالمياً. كما تأثرت شحنات الغاز الطبيعي المسال بشكل كبير، حيث تراجعت صادرات قطر والإمارات بأكثر من 300 مليون متر مكعب يومياً، أي أكثر من ملياري متر مكعب أسبوعياً.
الإشارة الأوضح تأتي من حركة الشحن عدد السفن تراجع من أكثر من 100 سفينة يومياً إلى نحو 11–12 فقط، أي انخفاض يتجاوز 90%. هذا ليس تباطؤاً مؤقتاً، بل نظام يعمل تحت ضغط. حتى إرسال الصين لخمس سفن، أربع ناقلات وسفينة شحن، يعكس واقعاً أكبر: الصين، كأحد أكبر مستوردي الطاقة، لا تستطيع تعويض هذه الإمدادات بسهولة، ما يجعل المضيق حيوياً لأمنها.

المصدر: بلومبيرغ
الأسواق تتحرك أسرع من الواقع
سوق النفط الفوري يعتمد على الثقة، وهذا الفارق هو ما يحدد المرحلة الحالية. عندما تصاعدت التوترات في مضيق هرمز، ارتفعت الأسعار بسرعة، حيث قامت الأسواق بتسعير خطر تعطّل أحد أهم طرق الإمداد العالمية حتى مع الحديث عن هدنة أو مفاوضات، فإن سلاسل الإمداد لا تعود للعمل فوراً.
حتى في حال استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، فإن العائق الحقيقي. شركات الشحن، شركات التأمين، والمصافي تحتاج إلى أكثر من إشارات دبلوماسية، تحتاج إلى دليل مستمر على أن المرور آمن. أقساط التأمين المرتبطة بالمخاطر الحربية لا تزال مرتفعة، والعديد من الشركات تتعامل مع المضيق على أنه قابل للاستخدام بشروط، وليس آمناً بالكامل. هذا الفرق مهم. يمكن أن يكون المضيق مفتوحاً تقنياً، لكن إذا لم يُعتبر موثوقاً، ستظل التدفقات محدودة. لهذا السبب، لم تتراجع أسعار النفط بشكل كامل. الأخبار خففت من سيناريو الإغلاق الكامل، لكنها لم تُعد النظام إلى طبيعته.
الناقلات التي تأخرت أو غيّرت مسارها لا تزال تعالج التراكمات، كما أن تكاليف الشحن لا تزال مرتفعة. في الوقت نفسه، تتصرف المصافي بحذر، معتمدة على المخزونات بدلاً من زيادة التعرض لممر غير مستقر. حتى في أفضل السيناريوهات، فإن عودة التدفقات تحتاج إلى انتقال تدريجي من “إمكانية المرور” إلى “موثوقية المرور”، وهو أمر يتطلب وقتاً وسلسلة من الرحلات الآمنة المتكررة. ما يبرز في البيانات ليس فقط التراجع، بل شكله. لعدة أشهر، كانت حركة السفن مستقرة نسبياً، قبل أن تنهار فجأة في أوائل مارس. متوسط الحركة خلال سبعة أيام هبط من مستويات مرتفعة إلى شبه الصفر، وتبعت أحجام الشحن نفس المسار. هذا الانهيار الحاد يعكس تحوّل السوق من نظام يعمل بكفاءة إلى نظام يتحرك تحت ضغط شديد.

المصدر: MacroMicro